حرية

 

في سبيل الحرية ، حرية الانسان العربي ، وكل انسان ، تناضل الطليعة العربية على أساس أن الحرية ليست مقدرة على الفوضى ولكن مقدرة على التطور ، وأن جوهر الحرية أن تقهر الظروف ، وتفرض ارادتها لتحقق مزيداً من الحرية . لهذا لا تعرف الطليعة العربية حرية الرجعية ، والسلبية ، واللامبالاة ، كما لا تعرف بالاستغلال ، ولا تعترف بالاستغلال حرية . وهي في نضالها في سبيل الحرية تعرف حدودها ، وترفض الادعاء بالحرية المطلقة الخالدة التي لا تعرف الحدود . فحرية الوجود القومي شرط لحرية التطور . وحرية المعرفة شرط لحرية الرأي . وحرية الرأي شرط لحرية العمل .

وكما تلزم الطليعة العربية غيرها حدود الحرية تلتزم هي تلك الحدود . فحيثما تتصدى للمشكلات ، لا تعرف غير الديموقراطية سبيلا والشعب سنداً . فالشعب إذ هو الامتداد الأفقي للمجتمع ، يكون المصدر الوحيد لمعرفة المشكلات لأنها مشكلاته . إن ألف نظرية في وصف الجوع أقل بلاغة من صرخات الجائعين ، وكل ما يقال عن الديكتاتورية لا يفسرها كما تفسرها آلام المضطهدين . ولا تمتد المشكلة رأسيا إلى حيث تصبح مشكلة عامة إلا بمقدار الناس الذين تعبر عن آلامهم ، وفي هذا لا يمتاز إنسان بمهنته ، ولا بثقافته ، ولا بلونه ، ولا بدينه ، ولكن بحدة المشكلة التي يعانيها كإنسان . ولا تميز الطليعة العربية حدة المشكلة إلا بمدى اتساع جبهة الناس الذين تفسد حياتهم ، فهي ترفض التقسيم الطبقي ، كما ترفض التقسيم على أساس من الدين ، أو اللون ، أو المهنة ، وتحترم الانسان كإنسان ، وتتخذه نقطة انطلاق وغاية . ويعلمها هذا الاحترام أن ترفع عن الانسان العربي كل ما يضغط إرادته وأن تحرره ، أولا وقبل أي شيء ، من الخوف .

ثم تلقى الطليعة العربية بنفسها في أحضان الشعب العربي ، وتلتصق به ، وتتفاعل معه تفاعلاً حياً ، وتشاركه آلامه مشاركة تسمح لها بمعرفة مشكلاته ومدى آلامها . وهي تفعل هذا بحب وتسامح وصبر ؛ لأنها تعلم أن تبادل المعرفة بالمشكلة أول حركات التطور الجدلي . كما تعلم أن التصميم الجماعي لحل المشكلة هو الحركة الثانية في قانون الجدل . لهذا فهي إذ تستفيد من ادراكها الشامل للمشكلات ، فتقترح الحلول ، تعرض هذه الحلول للجدل الاجتماعي لتصقلها خلال المناقشة المتحررة من الخوف والتعصب ، ولتختبر مدى سلامتها على ضوء قبولها أو تعديلها أو رفضها من الناس أنفسهم أصحاب المشكلات التي هي حلول لها . وبهذا يصبح الشعب العربي قاعدة الطليعة العربية ومصدر ثقافتها . ولا تفرض الطليعة العربية على الشعب العربي إرادتها ، ولا تتهمه ، إذ انها تعلم أن وجود المشكلة لا يغني عن ادراكها حتى تحل ، وأن عليها ، بحكم وعيها الشامل ، أن تفجر وعي الناس لمشكلاتهم وحلولها ، وأن عليها أن تصل إلى هذه المقدرة القيادية لتتوافر لها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الحرية والوحدة والاشتراكية : توعية الجماهير وتنظيمها وقيادتها . بهذا تتحصن الطليعة العربية ضد الفاشية والانتهازية ، وتحتفظ بثقتها التي لا حد لها بالجماهير العربية ، وبهذا تكون طليعة عربية ديموقراطية حقا ، فإن الثقة التي لا حد لها بالشعب هي جوهر الديموقراطية ، وكل شكل لها ليس أكثر من تنظيم لإطار التعبير عن تلك الثقة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s