الوحدة العربية ومعركة تحرير فلسطين


الوحدة العربية ومعركة تحرير فلسطين

د. عصمت سيف الدولة

منذ أن اغتصبت الصهيونية جزءا من الارض العربية فى فلسطين سنة 1948 … رفع فى الوطن العربى شعار يقول ان الوحدة هى الطريق الى تحرير فلسطين “.على أساس من القول بأن دولة الوحدة هى القادرة ـ وحدها ـ على أن توفر المتطلبات المادية والبشرية والاستراتيجية الكافية لتصفية دولة اسرائيل فى معركة قصيرة تضع فيها العالم أمام الامر الواقع . وكان لابد من أن تتحرر الدولة العربية أولا حتى تقيم الوحدة فتحرر فلسطين … وهكذا كانت هزيمة 1948 . التى عرفت باسم ” النكبة ” محركا أول لقوى التحرر العربى التى استطاعت خلال العشر سنوات التالية أن تجلى الجيوش المحتلة عن كثير من أجزاء الوطن العربى . ومع كل خطوة تحررية كان يبدو كما لو كان موعد الوحدة قريبا . وأن الارض المغتصبة من فلسطين فى طريقها الى الحرية . وبلغ التفاؤل ببعض العرب حد دراسة تفاصيل الوحدة التى هى الطريق الى تحرير فلسطين فقيل أنها تلك التى تقوم فيما بين الدول العربية المحيطة بالارض المحتلة وأسموها ” دولة الوحدة الطوق” .وظل ذاك الشعار سائدا الى ان تحققت الوحدة بين مصر وسورية سنة 1958 . وانتظرت الجماهير العربية فى كل مكان أن توفى دولة الوحدة مسئولي! اتها فتكمل الطوق أو تحرر فلسطين .. وطال الانتظار الى أن وقع الانفصال سنة 1961 . وقع سهلا بدون مقاومة . وقبل سريعا بدون انتظار . وثبت من كل هذا أن الامل الذى عقد على وحدة 1958 فى تحرير فلسطين كان أملا غير واقعى ومتسرعا معا . اذ أن وحدة 1958 لم تفشل فى تحرير فلسطين فحسب ، بل فشلت حتى فى الحفاظ على وجودها . ومنذ سنة 1961 التقت أغلب القوى فى الوطن العربى ، وفى العالم ، على محاولة دفن قضية الوحدة وقضية تحرير فلسطين معا تحت ركام من الصراعات الدولية والاقليمية . الى أن جاء حزيران ( يونيو ) 1967 فاذا بالقدر الاكبر من القوة العربية يقاتل متراجعا فى صحراء سيناء بينما كان قد تقدم اليها دفاعا عن دمشق .

وكان ماكان .

وكان طبيعيا أن تعصف هزيمة حزيران ( يونيو ) بكثير مما كان سائدا فى الوطن العربى من أفكار واتجاهات ، وأن تثير الشك فى مبررات وجود كثير مما كان موجودا من قوى ونظم ، وأن تشيع اضطرابا شديدا فى المقدرة على رؤية المستقبل الذى كان يبدو ـ حينئذ ـ حالك السواد . غير أننا الان . وبعد مايقارب ثلاث سنوات من الهزيمة نستطيع أن نرى بوضوح أن ليس كل ماكان فى حزيران ( يونيو ) 1967 كان سيئا .

لقد كان اسوأ مافيه أن الامة العربية ، ذلك الطرف الاصيل الذى لم يكن ممثلا فى المعركة ، قد دفعت من أرضها ، وأبنائها ، وكرامتها ، ثمنا فادجا لاخطاء القوى الاقليمية . غير أنه فى مقابل هذا كشفت الهزيمة العاجلة للدول العربية عن عجزها الذى لا مفر منه عن تحرير فلسطين . وأدى هذا الى أن دخلت الجماهير العربية ساحة المعركة فى يومى 9و10 حزيران ( يونيو ) 1967 لتفرض الصمود أولا . ثم لتستمرفى القتال بعد هذا فى شكل منظمات جماهيرية مسلحة . وهذا كسب لاشك فيه . فلأول مرة فى التاريخ العربى المعاصر توجد فى الارض العربية قوة مقاتلة لاتحمل هوية أية دولة عربية .

هذا من ناحية ..

ومن ناحية أخرى انهار الزكام الذى حاولت قوى كثيرة أن تدفن تحته قضية تحرير فلسطين . لم يعد أحد يذكر الاسباب التى كانت ذرائع القتال فى حزيران ( يونيو 1967) . ونسى الناس خليج العقبة وحق المرور فيه . وتجاوزت المعركة ازالة آثار العدوان . وفرض على الدول العربية الا تسترد أرضها الى أن تحدد لها موقفا صريحا من تحرير فلسطين . وهكذا برغم كل شئ. برغم المناورات ، وبرغم التآمر ، وجد جميع الاطراف أنفسهم وجها لوجه أمام حقيقة المعركة : أما الوجود العربى واما الوجود الا سرائيلى فى فلسطين،وهو كسب لاشك فيه . .كسب من حيث أننا قد عرفنا ، ولو بعد دفع ثمن فادح للمعرفة ، أن أحدا فى الوطن العربى لايستطيع أن يزعم لنفسه الحرية قبل أن تتحرر فلسطين .أو أن يحلم احلام الرخاء فى جوار الوجود الاسرائيلى فى فلسطين .

وعندما فرضت معركة تحرير فلسطين ذاتها على الناس ، عاد الحديث عن علاقة الوحدة بتحرير فلسطين . ورفع فى الساحة شعار مختلف يقول:”:ان تحرير فلسطين هو الطريق الى الوحدة العربية وليست الوحدة العربية هى الطريق الى تحرير فلسطين “. وزاد أصحابه فأسموه ” استراتيجية “.

وهو قول غير واقعى ، ومتسرع معا .

أما انه غير واقعى فلان القوى المعادية هى التى بدأت معركة احتلال جزء من الارض العربية فى فلسطين سنة 1948 وفى غيبة دولة الوحدة . . وهى التى بدأت معركة تأمين الوجود الاسرائيلى سنة 1956 وفى غيبة دولة الوحدة .ثم انها هى التى بدأت معركة فرض الاعتراف بدولة اسرائيل سنة 1967 وفى غيبة دولة الوحدة أيضا . فحتى لو كانت هزيمة الدول العربية فى حزيران ( يونيو ) سنة 1967 ، ورفض الجماهير العربية للهزيمة واستمرارها فى القتال ، قد حول المعركة مما أراد بها الصهاينة الى معركة تحرير فلسطين ، فان هذا لايغير شيئا من حقيقة أن العدو هو الذى اختار وحده تاريخ المعركة ، وفرضها فى الوقت الذى اختاره وحده . وعلى هذا يمكن القول بأن القوى المعادية قد استعجلت معاركها سنة 1948 وسنة 1956 و سنة 1967 لتثبيت الوجود الاسرائيلى ” داخل حدود آمنة ومعترف بها ” فى غيبة دولة الوحدة لان تلك القوى تعرف أن الوحدة العربية هى الطريق الموثوق الى تصفية الوجود الاسرائيلى وتحرير فلسطين ،وأن غيبة دولة الوحدة تقدم لها أكثر الظروف ملاءمة لتحقيق غاياتها العدوانية .

ان هذا يبدو لنا أكثر اتفاقا ، واتساقا ، مع الواقع الذى نعرفه ، من الزعم الذى يوحى بأن القوى العربية ، أو أية قوة عربية ، هى التى اختارت أن تبدأ وتخوض المعركة القائمة من أجل تحرير فلسطين وفى غيبة دولة الوحدة تنفيذا ” لاستراتيجية ” أعدت من قبل على أساس أن ” تحرير فلسطين هو الطريق الى الوحدة العربية وليست الوحدة العربية هى الطريق الى تحرير فلسطين “.

وهو قول متسرع ، لان أصحابه لم يصبروا على أنفسهم ، ولا على الظروف حتى يتبينوا :أولا ـ مااذا كان النضال القائم فى سبيل تحرير فلسطين سيحقق غايته فى غيبة دولة الوحدة أم أن تطورات المعركة المسلم بأنها طويلة ومعقدة ، وصعبة ، ستضعهم ـ ربما أقرب كثير مما يتصور الكثيرون ـ أمام خيار حيوى : فاما اقامة دولة الوحدة التى توفر لهم العمق الاستراتيجى اللازم لمواصلة القتال واما هزيمة اخرى . وحتى يتبينوا ـ ثانيا ـ مااذا كان بعض المناضلين فى سبيل تحرير فلسطين سيكفون عن القتال ليقيموا على الارض المحررة دولتهم الفلسطينية المسماة ” ديموقراطية ” أم أنهم سيواصلون القتال الى أن تقوم دولة الوحدة الديموقراطية .

ذلك لانه اذا كانت المعركة تدور الان فى ظل تأييد ودعم ” حلف الخرطوم ” الذى انعقد بين الدول العربية فى آب ( أغسطس) سنة 1967 من أجل ” ازالة آثار العدوان ” فان هذا الحلف موقوت ـ على أحسن الفروض ـ بغايته . وعندما تنتهى مرحلة ” ازالة آثار العدوان ” . على أى وجه تكون نهايتها ، يكون الحلف قد استنفذ اغراضه فينفض . حينئذ تبدأ ” فعلا ” معركة تحرير فلسطين . ولم يقل لنا أحد ـ بعد ـ كيف تستمر المعركة وقد كفت الدول العربية ، راغبة أو كارهة ، عن دعم المعركة . وأغلقت حدودها . وصفت أو حاولت تصفية قواعد المناضلين ؟.. نقول كيف تستمر الا اذا سقطت الاقليمية العربية المتراجعة واقيمت على انقاضها دولة عربية توفر للقتال أسباب الاستمرار حتى النصر . انها عندئذ دولة الوحدة النواة أو نواة دولة الوحدة .

ومن ناحية أخرى ، لم يقل لنا أحد ـ بعد ـ كيف يكون تحرير فلسطين طريقا الى الوحدة العربية خاصة اذا كان ذلك الشعار المسمى ” استراتيجية ” متضمنا كهدف اقامة دولة فلسطين المسماة ” ديموقراطية ” كيف تكون تلك الدولة الاقليمية طريقا الى الوحدة العربية ؟.. ماهى المعطيات الجديدة المتوافرة أو التى يمكن أن تتوافر لدولة فلسطين . ولم تكن متوافرة لدول عربية كثيرة تحررت ولم تتوحد . ان كل مانعرفه من المميزات الخاصة بدولة فلسطين المسماة ” ديموقراطية ” هو ان نسبة اليهود غير العرب فيها سيكون أكبر منها فى أية دولة عربية أخرى . فهل يصلح هذا سببا جديدا لتكون طريقا الى الوحدة ؟..

ان هذه اسئلة لاتكفى النوايا ـ ولو كانت حسنة ـ للاجابة عليها .

أين الحقيقة اذن ؟.

هل ثمة علاقة بين الوحدة العربية وتحرير فلسطين ؟ وان وجدت فما هو مضمونها ، وأين تقع ، وكيف تتجسد فى هذه المرحلة التاريخية التى يمر بها النضال العربى ؟.

فى الاجابة على هذه الاسئلة نجتهد بقدر مايطيق هذا الحديث المحدود .

عندما يكون الحوار دائرا بلغة واحدة ثم لاينتهى الى اتفاق فلابد من أن يكون ثمة خلاف فى مضامين الكلمات التى يستعملها المتحاورون . وتكون الخطوة الاولى أن نعرف مايعنيه كل طرف بالكلمات التى يقولها . والحوار حول علاقة الوحدة بتحرير فلسطين يدور بين الذين ينكرون الوحدة ولاينكرون تحرير فلسطين ، فلابد اذن من أن يكون ثمة خلاف بين مايعنيه كل منهم ” بالوحدة العربية ” أو ” بتحرير فلسطين “.

ونحن نعتقد أن مرجع الغموض وعدم التحديد فى هذه العلاقة الى الذين يتحدثون عن الوحدة العربية أو أنهم هم المسؤولون عن القدر الاكبر منه . ولولا هذا لما رأينا أن كل الناس – فيما يقولون – راغبون فى الوحدة العربية ومن دعاتها ، ومع ذلك ماتزال الوحدة أبعد الاهداف العربية عن التحقق . بل أن أغلب الناس لايعرفون كيف تتحقق وماهو الطريق اليها . ولو عرفوا لعرفوا موقع تحرير فلسطين من هذا الطريق .

وآية هذا أن كثيرين من اولئك الذين يتحدثون أو يكتبون عن الامة العربية . وعن القومية العربية . وعن الوحدة .. الخ .حديثا يبدو كالمناجاة الذاتية . ويعز معه الحوار . لاننا لانستطيع أن نعرف مما يقولون كيف عرفوا مايتحدثون فيه الا أن يكون عن طريق شعورهم بالانتماء القومى ، أى حالتهم النفسية ، والشعور بالانتماء القومى دلالة صحيحة على وجود امة ينتمى اليها المتحدث ولكنه لايصلح منطلقا الى تحديد أهداف المستقبل . ونحن نعرف هذا مثلا من قول مطروح ومتردد فى الادب القومى العربى . فى كل الادب القومى العربى تقريبا كما لو كان بديهيا . ذلك القول بأننا مادمنا امة عربية واحدة ” فيجب ” أن تكون لنا دولة سياسية واحدة . أو أننا مادمنا أمة عربية واحدة ” فيجب” أن نساهم جميعا فى تحرير فلسطين . والشعور بالانتماء القومى يبرر أننا امة عربية واحدة. اما لماذا ” يجب” مابعد هذا فلا جواب . أو أن ثمة اجابات غير وافية . او اجابات غير صحيحة وان كانت هى ذاتها غير مبررة قوميا . مثل تلك الاجابة التى تقول ” يجب” أن تقوم الوحدة لانها الطريق الى تحرير فلسطين ، لان دولة الوحدة ـ وحدها القادرة على توفير المتطلبات اللازمة لتح! قيق نصر عسكرى ضد الصهيونية . وهو قول صحيح . ولكن المسألة هى كيف عرفنا أنه صحيح . ان كنا عرفناه عن طريق ممارسة القتال الفاشل عشرين عاما ضد اسرائيل . لاأكثر . ثم تنفض الوحدة بعد أن تكون قد أدت مهمتها . وفى هذه الحالة تكون الوحدة غير لازمة بالنسبة الى الدول التى لاتحيط باسرائيل ، بل وتكون الوحدة العسكرية بين الدول التى تحيط بها بديلا صالحا من الوحدة السياسية لا نها توفر المتطلبات اللازمة للتفوق العسكرى أو يمكن توفرها . بل نزيد فنقول ان حتى الوحدة العسكرية لاتكون لازمة لو احسنت بعض الدول العربية استخدام امكانياتها المتاحة ماديا وبشريا . اذ لو احسنت لكانت قادرة على هزيمة اسرائيل . وفى كل الاحوال ستكون علاقة الوحدة بتحرير فلسطين موضوعا من ” صلاحية ” العسكريين ، قادة المعركة ، الذين يقررون مضمون تلك العلاقة ، وأين تفع، وكيف تتجسد طبقا لتطورات استراتيجية أو تكتيك القتال ضد اسرائيل .

اما اذا كنا قد عرفنا أن ” الوحدة العربية ” لازمة لتحرير فلسطين عن طريق البحث العلمى فى تلك الظاهرة الاجتماعية التى تسمى ” أمة “واكتشاف العلاقة الموضوعية بين الوجود القومى والوحدة القومية . فان الوحدة تكون لازمة لزوما موضوعيا ، فنلتزمها غاية فى معركة تحرير فلسطين ، وفى غير معركة تحرير فلسطين ، ولانعفى منها أحدا مهما يكن بعيدا عن ساحة معركة فلسطين ، ولانتراجع عنها حتى بعد أن تتحرر فلسطين .

هنا يكون موقفنا من الوحدة وتحرير فلسطين موقفا عقائديا ، وليس موقفا انتهازيا .

والموقف العقائدى القومى يقوم ـ باختصار ـ على خمسة أسس متكاملة :

اولا: ان الامة جماعة بشرية تكونت تاريخيامن جماعات وشعوب كانت مختلفة لغة وتراثا ومصالح ومتصارعة ومتفاعلة خلال ذاك الصراع ، انتهت بعد مرحلة تاريخية طويلة من المعاناة الى أن تلتحم لتكون شعبا واحدا ذا لغة مشتركة وتراث مشترك ومصالح مشتركة . وهذا لاخلاف عليه . انما الخلاف حول الارض الخاصة والمشتركة كعنصر من عناصر التكوين القومى . ونحن نرى أن الاختصاص برقعة مشتركة من الارض هو العنصر الجوهرى المميز للامة . ذلك لان كافة العناصر الاخرى مثل وحدة اللغة التى تركز عليها النظرية الالمانية ، ووحدة المصالح الاقتصادية التى تركز عليها النظرية الماركسية . أو وحدة الثقافة التى تشيد بها الكتابات العربية . أو حتى وحدة الارادة التى تركز عليها النظرية الفرنسية .. الخ .كل هذه عناصر ممكن أن تتوافر ، وأن تجتمع ، لجماعات بشرية لاترقى الى مستوى ” الامة ” كالمجتمعات القبلية مثلا . انما تجاوزت المجتمعات الطور القبلى ودخلت طور التكوين القومى بالاستقرار على أرض معينة . ثم اكتملت تكوينا باختصاصها بتلك الارض المشتركة ، وبهذا أصبحت أمة .

ثانيا : يترتب على هذا أن الامة تكوين واحد من الناس ( الشعب) والارض ( الوطن) معا . فنحن عندما نقول أننا أمة عربية ثم نتحدث عن الوطن العربى لايكون حديثنا عن شيئين منفصلين بل عن الكل ( الامة ) الذى يتضمن الجزء ( الوطن ) فالشعب العربى ( الناس ) والوطن العربى ( الارض ) يكونان معا الامة العربية . التى ماتحولت من شعوب لاتختص شعبا بعينه الى أمة الا عندما التحم الشعب العربى بالوطن العربى واختص به ليكونا وجودا اجتماعيا واحدا هو الامة العربية . من هنا ندرك انه عندما يتعرض الوطن العربى ، كله أو بعضه ، للابادة أو الطرد من أرضه . وعندما يتعرض الوطن العربى كله أو بعضه للغزو الاستيطانى أو الاقتطاع أى عندما تقوم أية محاولة لفصل الناس ( الشعب ) عن الارض ( الوطن ) لانكون بصدد خطر يتهدد بعض أبناء الشعب العربى يمكن تعويضهم عنه أرضا بأرض ، ولا بصدد خطر يتهدد جزءا من الوطن العربى يمكن الاستغناء عنه أو المساومة عليه ، بل نكون بصدد خطر يتهدد الوجود القومى العربى ذاته .

وهكذا تقدم لنا القومية أول ضوابط الموقف العقائدى من الغزو الصهيونى لفلسطين .

ثالثا : ثم أنه لما كانت الامة تكوينا تاريخيا فان اشتراك الشعب فى الوطن هى مشاركة تاريخية تحول من ناحية دون الشعب وأن يتصرف فى وطنه أو جزء منه فى أية مرحلة تاريخية معينة لان الوطن شركة تاريخية بين الاجيال المتعاقبة . وتحول من ناحية أخرى دون أى جزء من الشعب وأن ( يتصرف ) فى الاقليم الذى يعيش عليه أو فى جزء منه بالتنازل عنه للغير أو تمكين الغير من الاستيلاء عليه ( علاقة خارجية ) وتحول من ناحية ثالثة دون أى جزء من الشعب وأن يستأثر بأى اقليم عن بقية الشعب ( علاقة داخلية ).

ومن هنا نصل الى عدة نتائج هامة وملزمة قوميا . أولها أن فلسطين كجزء من الوطن العربى اقليم مملوك ملكية مشتركة للشعب العربى كله وليس ملكا خاصا لشعب فلسطين . ثانيها؛ ان الشعب العربى كله ، ومن باب أولى شعب فلسطين وحده ، لايملك الحق فى التنازل ، أو التفريط ، أو المساومة ، على حرية فلسطين . ثالثهما : ان مسؤولية تحرير فلسطين واقعة على الشعب العربى كله وليس على شعب فلسطين وحده . رابعا: ان كل الاتفاقات ، او المعاهدات أو القرارات ، والدساتير ، والقوانين ، والمواقف ، والتصريحات ،سواء كانت صادرة من دول أجنبية أو دول عربية ، فى الماضى أو الان أو فى المستقبل ، تمس حرية فلسطين ، غير مشروعة قوميا ، فهى ليست حجة على الامة العربية ولاقيدا على حقها فى تحرير فلسطين .

ان الامة كتكوين تاريخى لم تتكون اعتباطا أو مصادفة . بل تكونت من خلال بحث الناس عن حياة أفضل . فاذا كنا قد بلغنا خلال المعاناة التاريخية الطور القومى ، أى مادمنا أمة عربية واحدة فان هذا يعنى أن تاريخنا ، الذى قد نعرف احداثه وقد لانعرفها ، قد استنفذ خلال بحث اجدادنا عن حياة أفضل كل امكانيات العشائر والقبائل والشعوب قبل أن تلتحم معا لتكون أمة عربية واحدة وانها عندما اكتملت تكوينا كانت بذلك دليلا موضوعيا غير قابل للنقض على أن ثمة ” وحدة موضوعية ” قد نعرفها ، وقد لانعرفها بين كل المشكلات التى يطرحها واقعنا القومى ، أيا كان مضمونها ، وأنها بهذا المعنى ، مشكلات قومية لايمكن أن تجد حلها الصحيح الا بامكانيات قومية ، وقوى عربية ، فى نطاق المصير القومى . قد يحاول من يشاء أن يحل مشكلاته الخاصة بامكانياته القاصرة ، ثم يقنع بما يصيب ولكنه لن يلبث أن يتبين ، فى المدى القصير أو الطويل ، أن الحل الصحيح المتكافئ مع الامكانيات القومية المتسق مع التقدم القومى ، قد أخطأه عندما اختار أن يفلت بمصيره الخاص من الوحدة الموضوعية للمشكلات التى تشكل حلولها المصير القومى الواحد.

وهكذا بينما احتاج الاقليميون الى الهزيمة المرة فى حزيران ( يونيو ) 1967 ليتعلموا أن أحدا لايستطيع أن ينتصر فى معركة التحرر مادامت فلسطين محتلة لايحتاج القوميون الى تجارب مريرة ليعرفوا أن أحدا لن ينتصر فى معركة نحرير فلسطين مادام للاستعمار قدم وقاعدة فى الوطن العربى ، وأن فلسطين لن تتحرر بغير امكانيات قومية ، وقوى قومية ، فى نطاق معركة التحرر العربى واطار المصير القومى .

خامسا : وأخيرا ، فان هذه الوحدة الموضوعية بين المشكلات التى يطرحها الواقع القومى بما نعنيه من أن حلولها الصحيحة المتكافئة مع المقدرة القومية غير قابلة للتحقق الا بامكانيات وقوى قومية فى اطار المصير القومى .تفرض الوحدة العربية كأداة يستحيل بدونها وضع كل الامكانيات والقوى القومية ، واستعمالها ، فى سبيل حل كل المشكلات العربية ، وتحقيق المصير العربى الواحد . ان هذا لايعنى أن الاقليميين ودولهم عاجزون تماما عن تحقيق أى نجاح فى مواجهة المشكلات التى يتصدون لها ، بل يعنى تماما انهم لاينجحون الا مؤقتا وأنهم لن يلبثوا أن يتبينوا ، فى المدى القصير أو الطويل ، أن الوحدة لازمة لاطراد النجاح أو الحفاظ عليه

وهكذا نعرف من الان . أن فلسطين لن تتحرر فى غيبة دولة الوحدة ، وأنها حتى لو تحررت لن تستطيع أن تحافظ على تحررها الا فى ظل دولة الوحدة . كيف اذن فشلت وحدة 1958 فى تحرير فلسطين ؟ .. لاسباب بسيطة . لانها كانت استجابة قومية ولكنها لم تكن وحدة قومية فشلت فى أن تتحول الى وحدة قومية . كانت اشتراكا بين اقليمين فى الرئاسة وفى الحكومة ، وبقى الاقليمان منفصلين جماهيريا ، واقتصاديا ، وماليا ، وعسكريا فلم تكن تجسيدا لوحدة المصير داخلها . ثم انها اقتنعت بالاقليمين وتوقفت عن الامتداد ، فارتضت التجزئة ولم تجد وحدة المصير خارجها وهكذا انقلبت الى دولة اقليمية فى اقليمين ، بدلا من أن تكون دولة الوحدة النواة ففقدت أساسها العقائدى ومضمونها القومى ، ففشلت .

الى هنا نكون قد عرفنا الموقف القومى العقائدى من الوحدة وعلاقتها بتحرير فلسطين .غير أن هذا لايكفى ، لان الموقف القومى العقائدى تعبير سلبى فى مواجهة الواقع ، ويبقى أن نعرف كيف يحدد قوانا ويضبط حركتها الايجابية ، أى كيف تتحول القومية من وعى على الواقع الى حركة لتغيير الواقع وأين تقع العلاقة بين تحرير فلسطين والوحدة العربية فى تلك ” الحركة ” .

وأرجو الا يكون غائبا عنا أن حقيقة المشكلة التى نعالجهاآخذة فى الوضوح خلال الحوار فنحن الان لسنا أمام القضية الشكلية الاولى : أيهما ا لطريق الى الاخر ، الوحدة أم تحرير فلسطين ، بل نحن أمام الحقيقة الموضوعية لتلك القضية ، علاقة النضال من أجل الوحدة بالنضال من أجل تحرير فلسطين .

ولما كانت الحركة النضالية ، أية حركة لتغيير الواقع تتضمن خمسة عناصر هى : المنطلق والغاية والقوى والاستراتيجية والتكتيك ، فسنرى فيما يلى ـ باختصار شديد ـ كيف تحدد لنا القومية العناصر الخمسة للحركة القومية وموقع معركة تحرير فلسطين منها .

(1) اما عن المنطلق فهو محدد بالوجود القومى ذاته ، بالامة كواقع موضوعى ، وبواقع الامة فى مرحلة الانطلاق ، وفى الواقع العربى وقائع كثيرة أولها أننا أمة واحدة ولكن مجزأة و
أن فلسطين جزء من الامة العربية ولكن مغتصبة ، من هنا تكون البداية .

(2) أما عن الغاية فهى محددة بوحدة الوجود القومى التى تعنى اختصاص الشعب العربى كله بالوطن العربى كله ، فيما يتفق مع تلك الوحدة يبقى ومالايتفق معها يجبأن يزول . ولما كانت لصهيونية تغتصب جزءا من الوطن العربى وكانت كل دولة عربية تستأثر بجزء من ذلك الوطن . وكان هذا وذاك لايتفقان مع وحدة الوجود القومى ، فان غاية النضال القومى تكون استرداد الارض العربية من غاصبيها ، والغاء تجزئتها واقامة دولة عربية واحدة عليها، بما فيها فلسطين .

(3) أما عن القوى فمحددة بوحدة المصير القومى . ولما كانت وحدة المصير القومى تعنى أن الحل الصحيح لايمكن أن يتحقق الا بامكانيات قومية وقوى قومية . فان القوى المناضلة من أجل الوحدة لن تكون قادرة على النصر النهائى الا اذا كانت قوى قومية . أى الا اذا كانت مجسدة فى ذاتها هدف الوحدة . وهى لاتكون كذلك اذا قبلت التجزئة الاقليمية فيها ، أى اذا قبلت أن تكون قوى اقليمية ولو كانت متحالفة .

وهكذا تكون وحدة القوى القومية شاملة المناضلين فى معركة فلسطين ، ولكنها تنفى تجزئة القوىالى قوى قومية وقوى فلسطينية .

(4) اما عن الاستراتيجية فهى محددة بالوحدة الموضوعية للمشكلات التى يطرحها الواقع القومى فلابد من أن تكون استراتيجية واحدة تصل بين الواقع القومى والمصير القومى . ولما كانت الوحدة العربية الشاملة لاتقوم الا بعد التحرر الكامل لكل اجزاء الوطن العربى فان التحرر يشكل المرحلة الاولى من استراتيجية النضال من أجل الوحدة . وهى استراتيجية ملزمة للمناضلين فى كل جزء : التحرر كمرحلة اولى من نضال غايته الوحدة . وهكذا تدخل معركة تحرير فلسطين فى نطاق المرحلة الاستراتيجية الاولى من النضال القومى من أجل الوحدة العربية : مرحلة التحرر . ويصبح القول بأن تحرير فلسطين هو الطريق الى الوحدة بشرط أن نفهمه على أنه طريق دخول ” فلسطين ” الى دولة الوحدة العربية .

ومن ناحية أخرى فان وحدة الاستراتيجية تعنى أنه كلما انتصرت القوى القومية فى ساحة معركة ألقت بقوتها فى الساحات الاخرى الى أن تحقق الوحدة العربية الشاملة . وهكذا يكون النضال القومى ملتزما بسحق الاقليمية والغاء التجزئة فى الاجزاء المحررة واقامة دولة الوحدة النواة ثم الدخول بها معارك تحرير وتوحيد باقى الاجزاء وتضاعف المقدرة على النصر ـ هنا ـ لاشك فيه ، ولكن ليس مصدر الالتزام بتحقيق الوحدة النواة والدخول بها معركة التحرير ، بل مصدره الموقف القومى العقائدى . وعلى هذا يصح القول بأن الوحدة هى الطريق الى تحرير فلسطين بشرط أن نفهمه على أنه طريق الوحدة النواة الى الوحدة الشاملة .

(4) أما عن التكتيك فلا يتوقف على القوى القومية . ولكن على ظروف المعارك ،وقوى الاعداء ، وأساليببهم ، وغايتهم ، والقوى القومية مطالبه فى هذا بأن تلتزم الاسلوب العلمى فى المواقع التكتيكية لهزيمة القوى المعادية . ولكن ـ وهذا بالغ الاهمية والخطورة ـ فى نطاق الالتزام الاستراتيجى أى الا تترك للقوى المعادية فرصة استدراجها من خلال المناورات التكتيكية الى خارج خطها الاستراتيجى ، أو أن تندفع هى الى قبول أى نصر تكتيكى يكون على حساب الغاية الاستراتيجية . وهكذا لايجوز أن نتننازل أو نتراجع عن هدف الوحدة العربية من أجل النصر التكتيكى فى أية معركة ولو كانت معركة تحرير فلسطين .

وهكذا يستقيم لنا ـ كما أرجوـ فهم العلاقة بين الوحدة وتحرير فلسطين فى هذه المرحلة ، على وجه يمكن تلخيصه فى جملة قصيرة : التحام القوى القومية فى قوة مناضلة واحدة تخوض معركة تحرير فلسطين وتفرض الوحدة فى الاجزاء المتحررة ثم تدخل بها المعركة لتأمين النصر النهائى فى معركة تحرير فلسطين حتى تستطيع أن تكسب فلسطين لدولة الوحدة .

فهل هى علاقة صحيحة ؟

هنا يأتى دور الممارسة لتكون محكا لاختبار صحة المعرفة العلمية .

فماذا تثبت الممارسة ؟.

(5) أما على الجانب العربى فلم يكف أى قادر على الكلام ، منذ حزيران ( يونيو )1967 عن القول بأن معركة تحرير فلسطين معركة عربية ، وأن مسئولية تحرير فلسطين تقع على الامة العربية كلها ، وأن التعامل مع ” الواقع الملموس” ـ كما قالت احدى النشرات الصادرة من الجبهة الشعبية أثبتت أنه :” من الواضح أن النضال من أجل تحرير فلسطين ليس مهمة الشعب الفلسطينى وحده بل مهمة الشعوب العربية كلها وان انجاز هدف التحرير وتصفية الكيان الاسرائيلى لايمكن أن يكون الا حصيلة نضال الشعوب العربية كلها فى حرب شعبية طويلة الامد ضد الامبريالية والصهيونية على امتداد الارض العربية .”. وأنه مالم تتم تعبئة طاقات الجماهير العربية كلها فان سحق العدوان الاسرائيلى وتدمير جذوره يبقى حلما غير قابل للتحقيق ( الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين ) ـ حركة المقاومة الفلسطينية فى واقعها (الراهن).كلهم كل المساهمين فى المعركة ، قادة ، وقواعد ، وحكومات لايكفون عن الاستغاثة بالمائة مليون عربى ، وتحميلهم مسؤولية معركة التحرير التى لايمكن أن يتم النصر فيها بغير قوة الجماهير العربية . حتى الاقليمية الفلسطينية تدعو الجماهير العربي! ة الى أن تحشد نفسها فى جبهة مساندة .

اذن ” فالواقع الملموس” قد أثبت أن النصر لايتم الا بالتحام الجماهير العربية وفاء لمسؤولياتها عن تحرير فلسطين ، وهو صحيح .

ولكن الذين يستغيثون بالامة العربية ، وبالمائة مليون عربى . ويحملونهم مسئولية تحرير فلسطين لم يقولوا شيئا عن حقوق المائة مليون عربى فى فلسطين ( المتحررة ) أو فى ازالة آثار العدوان .لم يقل أحد كلمة واحدة اجابة عن السؤال الذى يهم الجماهير العربية : لماذا يموتون من أجل تحرير فلسطين ؟ أليست المسؤولية هى الوجه الاخر للحق ؟ فأين حق الامة العربية فى فلسطين وكيف يتجسد ؟ ان من أغرب ماقرأنا فى هذا ماقاله اولئك الذين اصدروا نداءهم المنشور عن حلم التحرير الذى لايتحقق الا بنضال الشعوب العربية تبريرا لدخول الجماهير معركة التحرير ، قالوا :لان الجماهير الكادحة لاتملك الحياة ، مع أنها تملك مع الحياة أمل الوحدة والتقدم . ويستغيثون بالجماهير العربية دفاعا عن الكرامة العربية . والكرامة العربية عزيزة وتستحق القتال دفاعا عنها . ولكنها ليست كلمة فارغة ، انها تعنى حياة كريمة مطهرة من المذلة ولايريد أحد أن ” يعد” الجماهير العربية حتى بالحياة الكريمة المطهرة من المذلة ولو بعد التحرير ،ربما لانهم يعرفون أن ذلك لايتحقق الا فى دولة الوحدة العربية وهم لايريدون أن يلتزموا بوعد الوحدة بعد التحرير . ان الجما! هير العربية ليست بلهاء وقد كان لها فى حزيران ( يونيو ) 1967 عبرة لاتنسى ، فاذا كان أحد يظن أنها ستقاتل حتى الموت الى أن تتحرر فلسطين لمجرد أن يعود الامر فى الوطن العربى الى ماكان عليه قبل حزيران ( يونيو ) 1967 فسيتعلم أن الغباء لاينفع صاحبه أبدا . والغباء وباء فى الاقليمية العربية .بدليل انهم مازالوا يتصرفون على أمل أن كل شئ سيبقى كما كان . بل أن منهم من هو مشغول عن المعركة بمخططات التوسع بعد المعركة فهو يدخر قواه ليبنى فى الارض العربية امبراطوريته الخاصة . وكل هذه أوهام . لا يساويها وهما الا توقع استجابة الجماهير العربية لدعوة الالتحام من أجل الموت لاشئ أكثر ، واستنفارها بالحديث عن المسؤولية بدون التزام بحقها فى الارض العربية ولما كان هذا الالتحام لايتم الا على هدف الوحدة فان هذا ” الواقع الملموس ” يقدم دليلا من الممارسة على أن النصر لايتم الا بالتحام تحرير فلسطين بالوحدة العربية .

أما عن الجانب الآخر ، جانب القوى المعادية فان الامر أكثر وضوحا . فهى تخوض معركتها ضد الامة العربية وليس ضد أية دولة عربية . وهذا واضح من أن الحركة الصهيونية عندما وضعت مخططاتها لغزو الوطن العربى فى مؤتمر بال سنة 1897 لم تكن هناك أية دولة عربية قائمة لافلسطين ولاغير فلسطين . قد تصطدم الصهيونية تكتيكيا مع دولة عربية قائمة أو اخرى تبعا لما تتبينه من مخاطر مؤقته . ولكن خطتها الاستراتيجية تستهدف اقامة دولة يهودية من الفرات الى النيل ، بصرف النظر عما هو قائم على تلك الارض من دول أو نظم أو قوى . الغزو الصهيونى موجه اذن الى الامة العربية . فهى الطرف الاصيل فى المعركة وهذا يقتضى أن تكون قواها فى المعركة قوى قومية ملتحمة .

واذا كانت الحركة الصهيونية ذات أهداف محددة واستراتيجية خاصة ، فان من عناصر تلك الاستراتيجية التحالف مع القوة الاستعمارية المتفوقة . تحالفت مع المانيا أولا ، ثم مع بريطانيا ثانيا ثم مع الولايات المتحدة الامريكية أخيرا ، تبعا لانتقال قيادة الاستعمار العالمى . وللاستعمار العالمى موقف عدائى لم يتغير ضد الوحدة العربية . هو الذى صنع التجزئة ابقاء للتخلف حتى يظل مسيطرا على مقدرات الامة العربية . وهو الذى يحرس التجزئة حتى لاتقوم دولة الوحدة . وهكذا التقت المصالح الاستعمارية مع المصالح الصهيونية لاقامة دولة يهودية على الوطن العربى تحقق أهداف الصهيونية وتحول دون الوحدة معا .

قرأنا كلنا عن تقرير كاميل بونومان سنة 1907 الذى انتهى الى أن حماية المصالح الاستعمارية فى الوطن العربى تستلزم اقامة حاجز بشرى قوى وقريب يفصل المشرق العربى عن المغرب العربى ويحول دون الوحدة العربية المتوقعة .ولقد كنت مهتما بالتعرف على هذا التقرير فى مصدر رسمى تحقيقا لصحة الاشارة اليه فى الكتابات الخااصة ، الى أن اطلعت على ملخص له منشور فى وثيقة عربية رسمية ، فأصبح حقيقة تمكن الاشارة اليها . ولكنها ليست الحقيقة الوحيدة ، فقد كان من ضمن المكاسب التى تحققت بعد هزيمة حزيران ( يونيو ) 1967 أن أصبح للقضية العربية أنصارا من الدارسين فى أوروبا وخاصة من الفرنسيين . وعرفنا مما كشفوه من وثائق علاقة الغزو الصهيونى بالوحدة من هذه الوثائق مانشره بيير ديستريا فى كتابه ” من السويس الى العقبة ” صفحة 56 نقلا عن كتاب نشر فى فرنسا سنة 1937 بعنوان ” الله أكبر” ألفه ” محمد أسعد بك” وهو اسم مستعار لاحد عملاء الصهيونية فى الوطن العربى . والكتاب عبارة عن تقرير كان مقدما الى حد قادة الحركة الصهيونية العالمية هو المستشرق النمساوى الدكتور فولفجانج فايست . يقول كاتبه :

” ان خلاصة الاسباب الجدية للكفاح من أجل الارض المقدسة هو موقعها الاستراتيجى وتأثيره فى مستقبل المنطقة . فلو عادت فلسطين الى دولة عربية موحدة تضم مصر لقامت هناك قوة عربية مسلحة تستطيع أن تتحكم فى قنال السويس والطريق الى الهند . اما اذا ظلت فلسطين مستقلة ، أو أصبحت دولة يهودية ، فانها ستقوم عقبة فى سبيل انشاء الدولة الكبرى حتى لو تمت الوحدة بين دولة عربية وأخرى على جانبى فلسطين . ان دولة صغيرة ” حاجزة ” تقوم على 100000 كيلو متر مربع على ضفتى نهر الاردن ستحمى كل دولة عربية ضد تدخل أية دولة عربية اخرى ..

ان توازن القوى حول قنال السويس يتوقف اذن على استقلال فلسطين بالنسبة الى العالم العربى ، يتوقف على دولة فلسطين تكون كسويسرا عند ملتقى القارات الثلاث . ان هذا الاستقلال يتفق تماما مع طموح الاستعمار اليهودى ، ذلك لان اليهود وحدهم هم الذين ستكون لهم مصلحة فى هذا الاستقلال وليس العرب اذ ان هؤلاء سيكونون من الدعاة المتحمسين للاندماج فى دولة عربية كبرى “.

ان هذا الكلام القديم يبدو حديثا ، لانه يعبر عن استراتيجية معادية وضعت قديما وماتزال تحكم تكتيك القوى المعادية . ومن حين الى آخر يعبرون عنها بوضوح وقوة . فى تشرسن الثانى ( نوفمبر ) 1958 أى بعد قيام وحدة 1958 نشرت مجلة ” الابسر فاتور دى مويان اوريان ” مقالا بمناسبة الذكرى الثانية لحرب 1956 قالت فيه :ان التفوق الاسرائيلى قدم ضمانا لحماية الوضع القائم ضد المحاولات الوحدوية . لقد أصبح واضحا أن حفظ التوازن فيما بين الدول العربية المجاورة لاسرائيل والدول العربية عموما مهمة يتولاها الاسرائيليون وتدخل فى نطاق واجباتهم . اننا نقوم هنا ، اذا صح التعبير ، على تنفيذ ” مبدأ مونرو ” خاص بالشرق الاوسط . ان القرار الذى اتخذناه بهذا الخصوص منذ عشر سنوات ( أى منذ 1948 ) قد أدى الى الاستقرار والسلام بدلا من الخوف ” وفى كانون أول ( ديسمبر ) سنة 1966 قال ليفى أشكول فى رسالة بالراديو أن سياسة اسرائيل منذ سنة 1958 ( أى منذ الوحدة ) أن تحول ولو بالقوة دون أى تغيير يحدث فى الوضع القائم للدول العربية ” . وفى شباط ( فبراير ) سنة 1967 قال أبا ايبان فى تصريح أدلى به فى لندن :” يجب أن يكون واضحا أن مصير ا! لمنطقة العربية لايمكن أن يكون الوحدة . بالعكس انه الاستقلال القائم على التجزئة “.

وهكذا تثبت الممارسة ـ ممارسة المعركة ضدنا ـ أن القوى المعادية قد غزت فلسطين مقدمة لغزو مزيد من الاراضى العربية لاقامة دولة يهودية وظيفتها أن تحول دون الوحدة العربية لشاملة كهدف استراتيجى لتلك القوى المعدية .

وهذا يعنى أن طبيعة معركة تحرير فلسطين التى تفرض التحام الجماهير العربية تحتم أن يكون التحامها من أجل الوحدة كهدف استراتيجى للقوى العربية . وبهذا تقدم طبيعة المعركة الدليل على صحة الموقف القومى من العلاقة بين الوحدة وتحرير فلسطين . اذا كان هذا هو الحل الصحيح : فماالذى يحول دونه ؟.

أولا: وقبل كل شئ ، عدم وفاء القوى القومية بمسؤولياتها ، فلو أرادت الوفاء لما حالت أية قوة على الارض دون أن تلتحم فى قوة مناضلة لتحرير فلسطين واقامة دولة الوحدة .

ثانيا : الاقليمية العربية ، والاقليمية كنقيض للقومية تقوم على أساس أن لكل اقليم عربى تكوين اجتماعى (مجتمع ) قائم بذاته مستقل بمصيره ، ولما كان الاستقلال علاقة ذات طرفين أو أكثر ( الاستقلال بالذات عن الغير ) فان دلالة الاقليمية تتجاوز أى اقليم لتصبح علاقة قائمة على تبادل الاعتراف بتجزئة الوطن العربى تجمع الاقليمين فى كل مكان ، حتى الذين لاينتمون الى دولة عربية ، لتضعهم جميعا فى مواجهة الشعب العربى فى موقف مضاد لوحدته القومية . وتتجسد هذه الاقليمية فى الموقف الاقليمى من المشكلات العربية ، ومن معركة تحرير فلسطين بوجه خاص ، لان الاقليمية متصدية فعلا للمعركة دفاعا عن فلسطين أو دفاعا عن الاجزاء التى احتلت بعد 1967 ولكن من موقف اقليمى .

وقد قلنا دائما ونقول الان ان الاقليمية فاشلة .

ولسنا نحتكم لتجربة الفشل فى السنين الماضية ، لان هناك من يتوهمون أن تغيير القيادات الاقليمية قد يكون سببا للنصر .وذلك من أوهام الاقليمية . لان فشل الاقليمية كامن فى ذاتها مهما تكن نوايا قادتها . ففى معركة تحرير فلسطين مثلا ، تفتقد الاقليمية ( غير الفسطينية ) حتى مبررات القتال . ان استقلال الدول الاقليمية ذاتا ومصيرا يجردها من أى حافز للقتال من أجل تحرير فلسطين لسبب بسيط هو أن فلسطين تقع خارج حدود الدول الاقليمية المستقلة ذاتا ومصيرا . وأكثر الاقليميين امانة هم الذين يعترفون بهذا ويبحثون عن مخرج لاسترداد ماضاع من أرضهم ثم يلقون مسؤولية تحرير فلسطين على شعب فلسطين واذا قيل أن اسرائيل تمثل خطرا على الدول العربية فان المسألة ـ بمنطق الاقليمية ـ تكون كيف تؤمن وجودها من هذا الخطر . وهو ممكن ولو بالمساومة على أرض فلسطين ذاتها ، ولو بقبول حماية واحدة أو أكثر من الدول . كل هذا ممكن بدون حاجة الى تحرير فلسطين ، واذا لم يكن ممكنا فان الاقليميين سيقاتلون دفاعا عن أرضهم ان استطاعوا ، ولكنهم لن يصلوا أبدا ـ ولو استطاعوا ـ الى حد دخول معركة تحرير فلسطين .

هذا من ناحية ..

ومن ناحية أخرى فان ” الاقليمية ” المستقلة ذاتا ومصيرا تعنى أولا استئثار كل دولة عربية بالجزء الذى تقوم عليه فهى تغتصبه من الامة العربية . وتعنى ثانيا حرمان الشعب العربى فيها من حقه فى الارض العربية خارجه فهى تحبسه فيه وبهذا تحول ـ سلبيا وايجابيا ـ دون التحم الجماهير العربية فى قوة موحدة لتحرير فلسطين واقامة دولة الوحدة . وبهذا لاتخدم الا الغزو الصهيونى لفلسطين . ولهذا عندما يتحدث الاقليميون عن تحرير فلسطين لايصدقهم أحد ويسخر منهم العالم كله .والعالم على حق لان الاقليمية المستقلة بمصيرها عن فلسطين تكون غير منطقية عندما لاتترك فلسطين لمصيرها المستقل . ان على الشعب العربى فى كل مكان أن يفلت من شراك التضليل ولو احتراما لارواح الشهداء من ابنائه الذين راحوا ضحية التضليل الاقليمى . والحقيقة أننا مادمنا متفقين على أن التجزئة قد سهلت غزو فلسطين . فيجب أن نعرف ونعترف بأن الغزو الصهيونى لفلسطين قد بدأ واتسع ومايزال قائما فى حماية الاقليمية العربية التى تجسد تلك التجزئة . واذا كنا متفقين على أن الاقليمية العربية مشتبكة فى صراع ضد الصهيونية دفاعا عن استقلالها ، فيجب ن نعرف ، ونعترف بأن ه! ذا الاستقلال لايعنى أنها ستخوض معركة تحرير فلسطين ، بل يعنى أنها طالما بقيت فى الوطن العربى فستحول ، بكل الطرق، من أول المغالطة اللفظية الى آخر التصفية الجسدية ، دون التحام القوى القومية لدخول معركة تحرير فلسطين ، أى أن استقلالها ذاته يحول دون تحرير فلسطين . وأنها يجب ان تسقط لتقوم دولة الوحدة حتى تتحرر فلسطين .

أما الاقليمية الفلسطينية فلها مصلحة مؤكدة فى تحرير فلسطين ولاشك فى أنها ستقاتل مااستطاعت لتحرير فلسطين ، ولكن الاقليمية ستخذلها . الاقليمية فيها والاقليمية خارجها . هذا لاشك فيه . ان شعار الاستقلال عن الدول العربية بمعركة تحرير فلسطين يتضمن حتما استقلال الدول العربية عن معركة تحرير فلسطين . وليس صحيحا أن يقال أنه مع ذلك لايعنى الاستقلال عن الجماهير العربية ولايحول دون التحامها فى معركة تحرير فلسطين . لان مجرد الدعوة الى التحام الجماهير العربية يعنى دعوتها الى كسر القيود الاقليمية وهو أمر يمس صميم وجود الدول الاقليمية ويتناقض مع استقلالها عن فلسطين واستقلال فلسطين عنها . ان كان هذا تكتيكا فهو تكتيك فاشل لانه ينطوى على مغالطة مكشوفة . وكل تكتيك ناجح يجب أن يكون منضبطا عقائديا واستراتيجيا والا فهو مغامرة أو مقامرة .

الحل القومى ، اذن ، هو الحل الصحيح لمشكلة تحرير فلسطين . فهل هناك موضع فى هذا الحل لمشكلة الاقامة فى فلسطين المتحررة . تلك المشكلة التى يقدمون لها صيغة فلسطين المسماة ” ديموقراطية “:، حلا يرضى ـ فيما يقولون ـ الرأى العام العالمى ؟.. ان حلها القومى واضح وصريح . اذ بمجرد أن ننسى التمييز الدينى والعنصرى تقدم لنا ” القومية ” الحل لصحيح . فالقومية لاتقبل الاستقلال الاقليمى لفلسطين عن الامة العربية وفلسطين الاقليمية فاشلة من الان فى حل مشكلة الاقامة فيها . فهى ” دويلة ” يواجه فيها مليونان من المجنى عليهم مليونين من الجناة حول جسم الجريمة : الدار المهجورة وقد سكنت ، والارض المتروكة وقد زرعت ، والاموال المنهوبة وقد أصبحت أموال الاخرين . ثم يقال لهم لاتذكروا ماكان وعيشوا ” ديموقراطيين ” .كأن الديموقراطية تعويذة سحرية تطهر النفوس بأمر من القائلين . ان فلسطين مهما تكن أرض السلام ستضيق بمن فيها وتنتهى حرب التحرير لتبدأ الحرب الاهلية فى أرض فلسطين . .القومية لاتقبل الا دولة الوحدة ودولة الوحدة أكثر رحابة من فلسطين . وفى دولة الوحدة مكان لكل الذين يريدون أن يعيشوا آمنين . هذا من ناحية .. ! ومن ناحية أخرى فان للامة العربية أبناء من اليهود فى فلسطين المحتلة وفى أماكن كثيرة من الارض. اولئك العرب اليهود . انهم يحملون لسبب أو لآخر الهوية لاسرائيلية أو هويات اخرى أجنبيه . وهم لسبب أو لآخر قد انتقلوا الى فلسطين أو غادروا الارض العربية الى اماكن أخرى .كل هؤلاء عرب بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية . ولكل هؤلاء حق قومى فى أن يقيموا فى رحاب أمتهم وعلى وطنهم العربى فى فلسطين أو فى غير فلسطين . ولكل هؤلاء حق فى أن تكون دولة الوحدة الاشتراكية الديموقراطية دولتهم القومية التى تحميهم ضد التعصب وتوفر لهم الامن وأسباب التقد م الاجتماعى .وكل هؤلاء مطالبون بأن يعبروا عن ولائهم لامتهم ، وأن يرتفعوا بوعيهم الى مستوى المسؤولية القومية ،وأن يعرفوا أن أرض فلسطين هى أرض أمتهم العربية ، وأن لهم حق الاقامة فيها سواء كانوا فيها من قبل ، أو كانوا وافدين اليها من أقطار عربية أخرى .وأن من حقهم أن يعودوا اليه ، أو الىمكان من الوطن العربى ان كانوا قد غادروا أرضهم العربية . بل انهم فى القومية سواء مع اخوانهم العرب الذين أكرهوا على مغادرة فلسطين ، لافضل لأحد منه على الآخر الا بقدر مايجسد فكرا وم! سلكا ولاءه القومى لامته العربية . وحتى الذين تورطوا منهم فوجدوا انفسهم فى مواقع الخيانة لامتهم ، ويقتلون اخوتهم العرب طاعة لسادتهم الصهاينة فان جزاءهم سيكون متعادلا مع ماكان لهم من حرية فى الاختيار ، وعلى مايكون لهم من موقف يختارونه فى الصراع العربى ضد الغزو الصهيونى . ولكنهم فى كل الاحوال لن يكرهوا على مغادرة أرضهم العربية ولن يفتقدوا حماية دولة الوحدة .

أما الذين خانوا وطنهم فهجروها ، وجاءوا غزاة للوطن العربى فلا مكان لهم فى الارض العربية وعليهم أن يلحقوا بأممهم حيث كانوا ولسنا مطالبين بأن ندفع لهم ثمن الخيانة أو أن نقدم لهم مكافأة على العدوان .

ذلك هو الحل السلمى الوحيد المقبول قوميا .

وهو حل لانبتكره نفاقا لدفاع السلام . انما نقدمه دليلا على سهولة الاهتداء الى الحلول السلمية الصحيحة من الموقف القومى العقائدى لانه الموقف الصحيح . وليس أدل على أنه الحل السلمى الصحيح من أن المهاتما غاندى كان رمزا خالصا للسلام الانسانى مع أنه لم يكن عربيا قوميا قال غاندى فى 14 تموز ( يوليو) سنة 1946 :

” ان فلسطين للعرب بذات المعنى الذى تعتبر فيه انجلترا للانجليز وفرنسا للفرنسيين انه لخطأ بين ، وأمر غير انسانى ، أن يفرض اليهود على العرب . أن مايجرى فى فلسطين اليوم لايمكن أن يوجد له مسوغ من أى قانون اخلاقى للسلوك .. انها لجريمة ضد الانسانية أن يقبر العرب الاعزاء لكى يتخذ اليهود كل فلسطين أو جزءا منها وطنا قوميا لهم أ ن التصرف ألامثل هو الاصرار على معاملة اليهود معاملة عادلة فى أى مكان ولدوا ونشأوا فيه ” .

ونحن باسم القومية العربية نصر على معاملة اليهود العرب معاملة عادلة فى وطنهم العربى وماعلى الامم الاخرى الا أن توفى بمسؤولية السلام فتحمى أبناءها اليهود من التعصب ضد السامية ، وبهذا تحل المشكلة ويسود السلام .

ان دعوتنا القومية اذن دعوة سلام فى جوهر ها,واننا لمسؤولون قوميا عن تحرير العرب اليهود من القهر العنصرى المفروض عليهم فى أرض فلسطين .ومسؤولون قوميا عن عودة العرب اليهود الذين غادروا وطنهم العربى وتعويضهم عن أى عسف لم بحترم انتماءهم القومى للامة العربية .ولكننا غير مسئولين على أى وجه عن ارضاء التعصب الاوروبى ضد اليهود أو التعصب الصهيونى ضد البشر جميعا . بأن نقيم للصهيونية دولة فى أرضنا ، سواء فى فلسطين أو حتى فى الربع الخراب من الصحراء القاحلة . لاأحد يملك هذا ولا أحد يستطيعه فان جنحوا الى السلم جنحنا . وان اصروا على البقاء اكرهناهم على العودة الى أوطانهم ونعد لهم مانستطيع من قوة .

أهى عودة الى شعار القائهم فى البحر ؟
ان هذا لايتوقف علينا ، ولكن على الطريقة التى يختارونها للجلاء عن الارض العربية . وعلينا أن نكف عن النفاق باسم الانسانية فان الحرب ليست مباراة رياضية بل هى صراع وحشى ومجزرة بشرية . وان كان ثمة من يدعى الانسانية نفاقا فليبحث أولا عن المسؤول عن المجازر البشرية والعرب لم يكونوا أبدا مسؤولين .

فى أواخر الحرب الاوروبية الثانية كانت أغلبية اليهود الالمان فى سجون النازية . وكانت النازية فى مأزق اقتصادى وعسكرى لايمكنها من الابقاء عليهم ، فاتفقت النازية والصهيونية فى مفاوضة مباشرة جرت فى سويسرا على ترحيلهم من المانيا .وعرض الامر على الحلفاء ، فأحالوه الى لجنة برئاسة اللورد موين الانجليزى .ثم استقر الرأى على أنه بالرغم من مخاطر الابادة الجديدة التى تعدها لنازية للتخلص منهم الا أن ترحيلهم من المانيا سيخفف عنها بعض متاعبها ويعوق انتصار الحلفاء وقرروا جميعا ترك اليهود للموت فأبيدوا بالوحشية التى نذكرها . ونذكر أيضا ان لحركة الصهيونية طاردت من أجل هذا للورد موين حتى قتلته فى شوارع القاهرة .

انها الحرب والصهاينة أول من يعلمون هذا ويعاملوننا وفقا له

فاذا كان واحد من العرب قد قال ـ أخيرا ـ اننا سنلقى الاسرائيلين فى البحر فليتذكر المنافقون أن الزعيم الصهيونى وايزمان قد قال:” لا أذيع سرا اذ قلت أننا اتفقنا مع بريطانيا على تسليمنا فلسطين خالية من العرب قبل نهاية الانتداب “. وأن الزعيم الصهيونى جابوتنسكى قال:” ان فلسطين يجب أن تكون لليهود أما العرب فلهم الصحراء .ان اتباع سياسة اللين مع العرب للتوصل الى اركان الوطن القومى اليهودى فى فلسطين ثم اجلاء العرب عنها تدريجيا مع الزمن سياسة مملة يطول شرحها لانه اصبح معروفا لدى العرب ماهى الغايات التى يسعى اليها اليهود ولذلك بات من الضرورى مجابهة العرب بالامر الواقع وافهامهم ضرورة الجلاء الى الصحراء “.ون الزعيم الصهيونى اسرائيل زانكويل قال”: ان فلسطين وطن بلا شعب فيجب أن تعطى لشعب بلا وطن وواجب اليهود فى المستقبل أن يضيقوا الخناق على سكان فلسطين العرب حتى يضطروهم الى الخروج منها.” وان الزعيم الصهيونى سيملانسكى قال:” ان فلسطين يجب أن تكون وطنا للشعب اليهودى وأنه من الممكن نقل أهل فلسطين العرب الى الاقطار العربية المجاورة “.وان الزعيم الصهيونى مناحم بيجين قال”: ان مذابح الاسر العربية عمل! رائع من أعمال الاستراتيجية العسكرية “.وان الزعيم الصهيونى بن جوريون قال:” علينا أن نتلقن الدرس بأن الهزائم العسكرية فى حد ذاتها لاجدوى من ورائها مالم يعقبها اجراء فعال وعلينا ان نستخدم الانتصارات العسكرية كأساس للتوطن السكانى الذى لايمكن اغفاله ” . وأنه فيما بين يومى 11/11/1948 و 17/11/1966 أصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة ثمانية عشر قرارا بعودة الشعب العربى الى فلسطين فقال الزعيم الصهيونى أبا ايبان “: حتى لو صوتت الامم المتحدة بنسبة 121 الى واحد فلن نقبل قرارها “.

فهل فقدوا بهذا كثيرا من الرأى العام العالمى ؟

لنكف اذن عن ” النفاق” باسم الانسانية فان النفاق لايخدع أحدا ان الاوربيين الذين يريدون كسبهم نفاقا هم الذين القوا باليهود فى الافران الموقدة وليس فى البحر . وهم الذين أهلكوا من أنفسهم خمسين مليونا فى حربين خلال ربع قرن دفاعا عما يعتقدون أنه حق . وتعلموا من كل هذا أن دعوة الحق التى تهرب من حلبة الصراع دفاع عنه دعوة منافقة .

ولنقلها صريحة قاطعة اذا فرض علينا العالم أن نختار بين أن يذهب العرب الى جوف الصحراء أو أن يذهب الصهاينة الى أعماق البحر فليذهب الصهاينة الى أعماق البحر . ولن نكون المسؤولين . بل العالم هو المسؤول.

* * *

دكتور / عصمت سيف الدولة
“محاضرة القيت فى نادى المحامين فى عمان( الاردن) يوم 10 مارس 1970

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

جدل الإنسان

الطليعة العربية .. في المنهج ، أيضاً

على بســــــــاط الثــــلاثاء

43

يكتبها : حبيب عيسى

البيان … “17″ …

“الطليعة العربية”

في المنهج ، أيضاً …

( تتمة … “17″ … البيان … )

( 57 )

إننا ، إذ ، نقر ، بصعوبة المهمة ، التي نتصدى ، للبحث فيها ، ندرك ، في الوقت ذاته ، صعوبة الفرز ، والتقييم ، لما قدمه “المفكرون القوميون العرب” ، في تلك المرحلة ، “ستينات القرن الماضي” ، وما تلاها ، من أفكار ، ومشاريع ، ومقترحات ، لحل مشكلة “المنهج” ، في ، التيار القومي العربي ، ذلك ، أن ، هناك ، سمة أساسية ، للمنهج العلمي ، فهو ، إما صحيح ، وإما خاطئ ، وهذا يعني ، أن على “الطليعة العربية” ، أن ، تعتمد منهجاً محدداً ، بمواصفات الثبات ، في ، وحدته القياسية ، التي تحدد اتجاه النظرية ، في المسارات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والثقافية ..

بحيث ، تضبط الحركة ، في ، المسارات المختلفة ، فلا تضل ، الكوادر ، ولا تنحرف ، ولا تتصادم … وهذا يعني ، أن علينا ، أن نعتمد ، منهجاً محدداً ، دون إنكار الجهود الجادة ، التي ، بذلها مفكرون عرب آخرون ، في ، هذا الصدد … ، فقد أوضحنا ، في “الفقرة السابقة” ، كيف ، أن ، مقولة “نأخذ من المناهج ما نريد ونترك ما نشاء” ، قد أوصلتنا إلى الكوارث ، التي نعيش ……

( 58 )

” جدل الإنسان ” ، هو ، المنهج العلمي ، الذي ، نقترحه على مؤسسات “الطليعة العربية” ، التحضيرية ، والمؤقتة ، والتأسيسية ، والنهائية ، لدراسته ، ومن ، ثم ، اعتماده ديمقراطياً ، عبر ، تلك المؤسسات ، إذا ، رأت ذلك ، فهي ، وحدها ، كما قلنا ، سيدة قرارها ، بما يتعلق ، بالمنهج ، وبغير المنهج ، وبكل ، ما يتعلق ، بمسار “الطليعة العربية” ، وجوداً ، وممارسة ، تأسيساً ، ومآلاً …!

يقول ، د. عصمت سيف الدولة ، صاحب “منهج جدل الإنسان” ، ومبدعه ، في تقديم منهجه ، أو منهجنا ، إذا شئتم : (( .. لقد بدأت البحث .. في تاريخ معاصر /1957/ .. استجابة تلقائية ، لحديث الوحدة المرتقبة ، في ذلك الحين ، ومنذ ذلك التاريخ ، أعطيته كل ما أمكنني ، من جهد ، واستطعت فيما اعتقد أن أوفر له ، من ضمانات البحث العلمي ما قدرت عليه ، من نفسي ، فجاء مجرداً ، من التحيز ، والتعصب ، والخوف ، أما المضمون ، فهو كل ما عندي من اجتهاد ، مهما كنت مقتنعاً به ، فإني مقتنع أيضاً ، بأن مناط الصواب ، والخطأ ، هو الحقيقة الموضوعية ، لا ما يدعيه المؤلفون .. لقد تعرضت ، لكل ما أعرفه من آراء ، ونظريات ، ومفاهيم مقارنة ، وحواراً ، كما تناولت .. معالم البناء الاجتماعي ، سياسة ، واجتماعاً ، وفناً ، وأدباً ، وأخلاقاً ، ولما رأيت ، أن تلك الفكرة الواحدة ، قد استطاعت ، أن تكون قاعدة ، لمفاهيم عديدة ، دون تناقض ، بينها ، توهمت أنني أتيت بشيء يستحق أن يخرج للناس ، وربطت بينه ، كقاعدة انطلاق ، وغايته ، كحياة مقبلة …)) ، هذا ، ما قاله شيخنا ، منذ نصف قرن ، أما ، نحن ، فنعترف ، الآن ، بصعوبة انتزاع “منهج جدل الإنسان” ، من السياق ، الذي ، جاء فيه ، عبر أجزاء “نظرية الثورة العربية” ، السبعة ، للدكتور عصمت سيف الدولة ، والتي برزت ، علنا ، اعتباراً من عام 1965 ، حيث جاء ” جدل الإنسان ” ، ضمن سياق حوار معمق ، مع ما سبقه ، وما عاصره ، ثم ، في الرؤية ، للمستقبل .. ، لهذا ، فإننا ، هنا ، نلخصّ ، قدر الإمكان ، قوانينه ، وثوابته ، مع الاعتراف ، أن ، أمر التعمق ، والبحث ، والدراسة ، في “جدل الإنسان” ، يبقى مرهوناً ، بالعودة إلى ، المتن الأصلي ، للنص ، في ، مراجعه المشار إليها …

( 59 )

ينطلق ” جدل الإنسان ” ، من ، القوانين الثلاثة ، المتفق عليها ، بين ، جدلية هيجل ، المثالية ، وجدلية ماركس ، المادية ، ويختلف معهما ، في ، القانون الرابع ، المتعلق ، بالجدل ، الذي افترضه ، هيجل ، في ، الفكر ، ثم ، افترضه ، ماركس ، في ، المادة ، ليكشف ، “منهج جدل الإنسان” ، عن ، أن ، “الجدل” ، يتم ، في الإنسان ، ذلك ، الكائن ، الذي ، يشكل وحدة من المادة ، والذكاء ، يمارسه الإنسان ، وفق ، قانونه النوعي .

نبدأ ، أولاً ، بالقوانين الثلاثة ، الأولى :

أولاً : يقول القانون الأول ، إن الطبيعة شيء واحد ، ترتبط فيه ، الأشياء ، والظواهر ، ارتباطاً عضوياً ، فيما بينها ، ويقوم بعضها ، على بعض ، ويكيّف بعضها ، بعضاً ، بالتبادل ، ويمكن تلخيص هذا القانون ، في ، أن ، كل شيء ، متأثر بغيره ، مؤثر ، في غيره … فقط ، يضاف إلى هذا القانون ، ما أضافته “النسبية” ، من ، حيث مدى ، التأثير ، والتأثر .

ثانياً : القانون الثاني ، يقول : أن ، كل شيء في حركة دائمة .. ، بعد ، أن ثبت ، فعلاً ، أن الذرة ، التي ، كانت تعتبر ، وحدة الأشياء ، عامرة ، بالحركة المستمرة ، التي ، لا تتوقف …

ثالثاً : القانون الثالث ، يقول : أن ، التغيرات الكمية ، تؤدي إلى ، تغييرات كيفية ، وإذا ، كان ، الذين شرحوا ، هذا ، القانون الثالث ، قالوا ، أن ، التغيرات الكمية ، هي ، التي ، ( لا دلالة عليها ) ، وأن ، التغييرات الكيفية ، هي ( الظاهرة ، والجذرية ) ، فإن منهج ( جدل الإنسان ) ينبه ، إلى ، أن ، ما يقال عنه ، ( دلالة ) ، و ( ظهور ) ، و ( جذري ) و ( خصائص أخرى ) ، ليس أكثر ، من ( إدراك ) ، لمدى التغيير ، والمادة ( كما هي ) تشير إلى قوانين ، حتى ، لو لم ندرك ، نحن ، هذه القوانين ، أي ، أن قصور حواسنا ، أو حتى ، أدواتنا العلمية ، حالياً ، عن إدراك ( دلالة ) التغييرات ، لا يعني ، أنها تغييرات كمية ، وليست كيفية .. وذلك ، للتأكيد ، على ، أن تقسيم التغييرات ، إلى ، مرحلة ( كمية ) ، ثم ، مرحلة ( كيفية ) ، هو ، تقسيم فكري ، لمراحل التطور .. باختصار ، فإنه ، عندما ، تصل التغييرات الكمية ، إلى مرحلة ، أو ، إلى نقطة معينة ، تتغير ، فيها ، خصائص المادة ، نوعياً ، وبهذا تتحول الأشياء ، من ، شيء ، إلى ، شيء مختلف .. ، ولمعرفة ، حركة المادة ، لابد من ، إضافة ، تمنع الخلط ، بين الأنواع ، وهي ، أن ، كل نوع ، من الأشياء ، كالنبات ، أو الحيوان ، أو الجماد ، وكل ، نبات ، وحيوان ، وجماد ، على حدة ، وكل تركيب ، في ، أي نبات ، أو حيوان ، أو جماد ، له ، قوانينه الخاصة ، التي تحدد ، مدى تأثيره ، في غيره ، وتأثره ، بغيره ، من المواد ، والتي ، تقسم علمياً ، بالنسبة إلى ، كل ، نوع ، فيقال ، قوانين ، علم النبات ، أو الحيوان ، أو الجيولوجيا ، مثلاً …

( 60 )

يمكن ، لنا ، بعد تلك اللمحة الموجزة ، صياغة القوانين الثلاثة ، السالفة ، فنقول : إن ، كل شيء ، متأثر بغيره ، ومؤثر ، في غيره ، وهو يمارس ، هذا التأثير ، والتأثر ، خلال حركته الدائمة المستمرة ، التي ، لا تتوقف ، والتي تؤدي ، أثناءها ، كمية ، التأثير ، أو التأثر ، إلى ، أن تتغير خصائص ، الشيء نفسه ، بحيث ، تتغير هذه الخصائص ، تدريجياً ، وإن ، كنا ، لا نستطيع ، أن نحسّ ، هذا التغيير التدريجي ، في الظاهر ، وعندما ، تصل ، كمية التأثير ، أو ، التأثر ، إلى درجة ، تختلف ، باختلاف القوانين ، التي تحكم الشيء ، المتأثر ، يفقد ، هذا الشيء ، خصائصه ، ومظهره الأولين ، وتصبح له ، خصائص ، ومظهر آخر ، بحيث ، يختلف ، نوعياً ، عن الشيء الأول ، أي ، تلحقه ، خصائصه الجديدة ( بنوع ) ، من الأشياء ، غير النوع ، الذي ، كان ينتمي إليه ، أولاً … ، ثم ، وفي ، كل لحظة ، وما هو ، أقل ، من اللحظة ، وفي ، كل مكان معروف ، أو غير معروف ، تعمل هذه القوانين ( معاً ) ، فيكون الناتج ، تأثيراً ، فتأثراً ، فتحولاً ، فتأثيراً ، فتأثراً ، فتحولاً ، وهكذا ، في ، حركة دائمة ، وتحّول مستمر .. ، وإذا ، كان هذا ، كله ، ينطبق ، على الأشياء ، من ، أول ، الذرات ، إلى آخر ، المجرات ، ويتحول ، كل شيء ، وفق ، قانونه النوعي ، بالتأثر ، والتأثير ، والحركة الدائمة .. ، أما ، القانون الرابع ، وهو “الجدل” ، الذي ، لا يتم ، إلا ، بتقابل نقيضان ، في محتوى واحد .. ، والتناقض ، يؤدي ، إلى صراعهما ، الذي يستمر ، إلى ، أن يحل ، التناقض ، فيخرج ، منهما ، أي ، من باطن الشيء ، الذي اجتمعا ، فيه ، شيء ثالث ، مختلف ، عنهما ، وبالتالي ، يعتبر ، بالنسبة إليهما ، خطوة إلى الأمام ، أو تقدماً ، فجوهر ، العملية الجدلية ، أن ، يجتمع نقيضان ، وحيث ، لا يوجد تناقض ، لا تقوم عملية الجدل ، أو ، لا يوجد صراع ، وإن ، وجد التناقض ، فلابد ، من الصراع ، ولابد ، أن ينتهي هذا الصراع ، إلى ، خلق جديد .. ، فالجدل ، بهذا المعنى ، هو ، عملية ، خلق ، وتجاوز ، وإضافة ، إنه ، خطوة ، إلى الأمام ، تحل من خلالها ، مشكلة ، تصبح من الماضي ، ويتحقق ، بها ، جديد ، في المستقبل .. ، نطلق عليه ، مصطلح ، ( التطور ) ، وبهذا ، نحدد الفرق ، بين ، التحول ، وبين ، التطور ، فالتحول ، يتم ، وفق ، القوانين الثلاثة الأولى ، ويطلق ، على الحركة ، دون إضافة ، أما ، التطور ، فيطلق ، على الإضافة ، خلال ، الحركة الجدلية ، والتي تتأتى ، من ، إعمال ، القانون الرابع .. ومؤدى ، الجدل ، أيضاً ، أن ، التناقض ، والصراع ، لا ينتهي ، بإلغاء أحد النقيضين ، والإبقاء على الآخر .. ، وإنما يستمر التناقض ، ومعه الصراع ، إلى ، أن ، ينتهي إلى حل جديد ، يزول ، به ، التناقض ، ويتجاوز ، به ، التطور ، وجود النقيضين …، وهكذا …إلى تناقض جديد ….

فأين ، يتقابل النقيضان …؟ ، وأين، يجتمعان في محتوى واحد ..؟ الجواب : في “الإنسان” … ، فالمادة ، تتحول ، دون جدل ، والفكر ، الذي ، يخرج عن قواعد المنطق ، يعتبر ، هذياناً ، فلا يبقى ، إلا ، أن نبحث ، عن ، الجدل الخلاق ، في تلك الوحدة ، التي ، يجتمع فيها الفكر ، والمادة ، لا ينفصلان ، ولا يختلطان ، إنه ، الإنسان ، فأسميناه ” جدل الإنسان ” .

( 61 )

فالإنسان ، كما ، أنه ، كائن عضوي ، يتكوّن ، من لحم ، ودم ، وعظم ، وآلاف المركبات الكيميائية ، فهو ، بالإضافة إلى ذلك ، كائن ذكي ، أيضاً ، فهو ، وحدة نوعية ، من ، الذكاء والمادة ، وقد ، استطاع أن يكتشف ، كثيراً من القوانين ، التي تنظم نشاط الإنسان ، وأن ، يثبتها ، بالاختيار ، والتجربة …، وللإنسان ، قدرة على التذكر ، والإدراك ، والتصور ، والعمل .. والتذكر ، واسترجاع الماضي ، فالماضي ، الذي لا تدركه سائر الكائنات ، لا ينقضي ، بالنسبة ، للإنسان ، بل يحتفظ ، به ، ويسترجعه ، في ذاكرته ، ويستطيع ، الإنسان ، أن ، يدرك الروابط ، التي حكمته ، ويعلل وقوعه ، ثم ، يستطيع ، أن يتصور المستقبل مستخدما ذات العناصر التي استرجعها من الماضي ، وأن يعيد تركيبها ، على أساس القوانين ، التي أدركها ، وبتلك القدرة ، على ، استرجاع الماضي ، وإدراكه ، وتصور المستقبل ، يتحدد ، أي ، نمط ، من سلوك الإنسان …

ثم ، أن ، كون “الحركة الجدلية” ، تتضمن ( التذكر ، فالإدراك ، فالتصور ) ، لا يعني ، أنها ، حركة فكرية ، أو ، أن ، الجدل ، “جدل فكري” ، فالتذكر ، هو ، تذكر ، يشمل المادة ، والإدراك ، يشمل إدراك ، قوانين المادة ، والتصور ، تركيب ذهني ، للمادة ، فالمادة ، هي ، محتوى الفكر ، والفكر ، محيطها ، الذي يتحدد ، بها ، وتتحدد ، به ، وتكون ، معه ، وحدة ، لا يمكن انفصامها ، ولذلك ، قلنا ، إنه “جدل الإنسان” ، ولم ، نقل ، إنه “جدل الفكر” ، فالفكر ، ليس إلا خاصة ، من خصائص ، ذلك الكائن ، المتكون ، من ، مادة وذكاء ، الذي يسمي “الإنسان” ، ..والعمل ، هو ، الحركة الأخيرة ، في الجدل ، فالحركة الجدلية ، إذ ، تبدأ من مشكلة ، تسهم ، فيها المادة ، تنتهي ، إلى ، حل مادي ، يسهم فيه ، الفكر …

( 62 )

لو ، كانت هذه ، الحركة ، التي يقوم ، بها ، الإنسان ، والتي ، تضبط ، أي ، نمط من سلوكه ، وبالتالي ، تعتبر ، بالنسبة إليه ، قانوناً نوعياً ، “حركة جدلية” ، لكان ، حتماً ، أن ، تكون منطوية ، على نقيضين ، في محتوى واحد ، وأن ، يكون النقيضان ، في صراع دائم ، وأن يخرج ، من الصراع ، شيء ثالث ، أكثر تقدماً ، من النقيضين .

النقيضان ، في ، “جدل الإنسان” ، هما ، الماضي ، والمستقبل ، اللذان ، يتبع أحدهما ، الآخر ، ولا يلغيه ، ولا يلتقي ، به ، قط ، ومع ، هذا ، يجمعهما الإنسان ، ويضعهما ، وجهاً ، إلى ، وجه ، في ، ذاته .

والماضي – بالنسبة إلى الإنسان – مادي جامد ، غير متوقف ، عليه ، وغير قابل ، للتغيير ، وبمجرد وقوعه ، يفلت ، من ، إمكانية الإلغاء ، ولكن ، الإنسان ، إذ ، يعرف ، عن طريق استرجاعه ، للماضي ، كيف وقع ، يدرك امتداده التلقائي ، في المستقبل ، والمستقبل ، بالنسبة إلى الإنسان ، تصور ، لا يحّده ، قيد من الزمان ، أو المكان ، وأقصى مستقبل ، لأي إنسان ، أن ، تتحقق جميع احتياجاته ، وفي ، الإنسان ، يجتمع النقيضان ، وتثور المشكلة ، بالصراع ، بين ، الماضي ، ممتد ، تلقائياً ، في ، المستقبل ، وبين ، المستقبل ، الذي ، يريده الإنسان .. وتكون المشكلة ، التي تعبر ، عن الصراع ، كامنة ، في ذلك الفرق ، بين ، الواقع المسترجع ، من الماضي ، وبين ، المستقبل ، الذي يريده الإنسان ، ويعبر ، عنه ، تعبيراً سلبياً ، بالحاجة .. ، ويتم ، الصراع ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، حيث ، يلتقيان في الإنسان ، ولا نقول الحاضر ، إذ ، لا وجود ، لما ، يسمى ، الحاضر ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، إلا ، إذا ، ألغينا الزمان ، عند ، نقطة الالتقاء تلك – في الإنسان – يكون الصراع ، ويكون الحل ، الذي يتحقق ، بالعمل ، متضمناً إضافة جديدة .. فالإنسان ، في ، كل لحظة ، وفي ، كل مكان ، يخلق مستقبلاً ، متفقاً ، مع ، حاجة الإنسان ، وظروفه ، أي ، خالياً ، من جمود الماضي ، ومن خيال المستقبل ، أما ، أداة الخلق فهي ، العمل ، الذي يحل التناقض ، وتتم ، به ، الحركة الجدلية ، التي تتسق ، بفعل الماضي ، والمستقبل ، ذاتهما . إذ ، أن ، الحل ، الذي يتحقق ، بالعمل ، إضافة ، ينتهي إلى ، تناقض جديد ، لأن ، ما يتحقق ، فعلاً ، يلحق ، فور تحققه ، بالماضي ، فالزمان ، لا يتوقف ، وبذلك ، تنشأ ، نقطة التقاء جديدة ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، في الإنسان مرة أخرى ، أيّ ، صراع جديد ، ومشكلة جديدة ، ويسهم الحل الذي ، كان ، مستقبلاً ، ثم ، أصبح ، ماضياً ، بتحققه ، في ، إغناء الماضي ، الذي ، يسترجعه الإنسان ، وهو ، يواجه مستقبله الجديد .. فينشأ ، صراع جديد ، ثم ، يحل ، وهكذا … ، وفي ، تاريخ الإنسان ، انتقل هذا ، الجدل ، من البسيط ، إلى المركب ، ومن المحدود ، إلى ، الأكثر شمولاً ، وكلما ، زادت تجارب الإنسان ، اغتنت ذاكرته ، فاتسعت تصوراته ، وزادت حاجاته ، فزادت مشكلاته ، فأبدع ، لها ، مزيداً من الحلول ، ولهذا ، لم ، يستو تقدم الإنسان ، على ، نسبة واحدة ، وأصبح ، يحل ، في شهور ، ما كان ، يحله ، في قرون ، مع ، أن مشكلاته ، قد ، تضاعفت ..

( 63 )

وإذا ، كان ، الجدل ، قانوناً خاصاً ، بنوع الإنسان ، فإن ، الإنسان ، لا يفلت من القوانين الكلية ، التي ، تحكم الطبيعة ، وهو ، جزء ، منها ، يتأثر ، ويؤثر ، في حركة دائمة ، وتغير مستمر ، وتحكمه ، تلك القوانين ، كوحدة ، من ، الذكاء ، والمادة ، فهو ، لا يستطيع ، مهما كان ، ذكياً ، أن ، ينفصل ، عن الظروف ، التي تحيط به ، ولا يستطيع ، أن ، لا يتأثر ، بها ، أو ، أن يتوقف ، عن التأثير ، فيها ، ولا يستطيع الإنسان ، مهما ، كانت إرادته ، أن ، يجمّد ، نفسه ، فلا ، يتغير ، عضوياً ، وفكرياً .. لهذا ، فإن “جدل الإنسان” ، كقانون ، يتعطل ، إذا ، لم يكن الجدل ، في حركته ، مستنداً ، إلى ، المعرفة العلمية ، للطبيعة ، وقوانينها ، واستعمال ، تلك القوانين ، استعمالاً ، صحيحاً .. لهذا ، نقول ، أن ، المعرفة العلمية ، بقوانين الطبيعة ، هي ، شرط ، قانون الجدل …، ومن ، هنا ، يختلف “جدل الإنسان” ، عن ، “الجدلية المثالية” ، لأن ، التناقض ، لا يقوم ، بين ، أفكار ، ولا يحل ، بأفكار ، بعيداً عن المادة ، ولكنه ، تناقض ، بين ، ماض مادي ، وتصور مستقبلي ، للمادة ، يحل ، بتشكيل ، ذكي ، للمادة .. كذلك ، يختلف ، “جدل الإنسان” ، عن ، “الجدلية المادية” ، لأن ، “الجدل” ، لا يتم ، إلا ، في ، الإنسان ، فهو ، الجدلي الوحيد ، والمادة ، غير ، جدلية .. وعن ، طريق “جدل الإنسان” ، يقود الإنسان مصيره ، ويبدع مستقبله ، وقد استطاع ، فعلاً ، أن ، يحقق هذا ، في المجالات ، التي ، أحاطت ، بها ، المعرفة العلمية .. وبهذا ، يختلف “جدل الإنسان” ، عن ، المذاهب الميتافيزيقية ، من ، أول ، ثنائية ديكارت ، التي ، تفصل الفكرة ، عن ، المادة ، وتقيم ، منهما ، أسا سين ، للعالم ، مختلفين ، ومنفصلين ، إلى ، المثالية الشخصية ، التي قال ، بها ، بيركلي ، وأنكر ، فيها ، وجود ، قوانين طبيعية ، إلى ، المثالية الموضوعية ، التي ، قال فيها هيجل ، وأوجد ، فيها ، القوانين في عالم الفكر ، دون عالم المادة ، إلى ، الوضعية ، التي ، لا تعرف ، إلا ، المعامل منهجاً للمعرفة ، في ، حين ، أنها ، لا تستطيع ، أن ، تدخل ، الظواهر ، في معاملها التجريبية ، إلا ، إذا ، فصلتها ، عن تاريخها ، وعن ، علاقتها ، بالكون ، الذي ، تعيش ، فيه ، وهي ، لا تستطيع ، على أي حال ، أن ، تجري تجربة اجتماعية .. ، إلى ، آخر الوجودية ، التي ، لا تعرف شيئاً ، غير ، وجود الإنسان ، وتلغي الكون ، كله ، بإسقاطه ، بالعدم …

إن ، “جدل الإنسان” ، يفترق ، عن ، تلك المناهج المختلفة ، والمتباينة ، بأن ، الإنسان ، سيد قراره ، وبالتالي ، فإن ، حرية الإنسان ، شرط لازم ، ليعمل قانون الجدل ، فيتطور ، ويطور مجتمعه ، هو ، الذي يتعامل مع مختلف عناصر الطبيعة ، والكوكب ، والكون ، ويوظفها ، ويحولها ، ويكتشف قوانينها النوعية ، ويبدع هذا التطور الذي نشهده في العالم ، وليس ، الإنسان ، كما ادعّت المناهج المشار إليها ، مجرد ، أداة ، لهذا ، العنصر ، أو ، ذاك ، سواء كان ، ماديا ، أو ، غير مادي ….

( 64 )

دعونا بعد ، كل ، ما تقدم ، أن نضع “منهج جدل الإنسان” ، في ، صيغ قانونية ، للتطور الاجتماعي ، فنقول : 1 – في الكل الشامل للطبيعة ، والإنسان ، 2 – كل شيء ، مؤثر في غيره ، متأثر ، به ، 3 – كل شيء في حركة دائمة ، 4 – كل شيء في تغير مستمر ، 5 – في إطار هذه القوانين الكلية الثلاثية يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي ، 6 – وينفرد الإنسان بالجدل قانوناً نوعياً لتطوره ، 7 – في الإنسان نفسه يتناقض الماضي والمستقبل ، 8 – ويتولى الإنسان نفسه حل التناقض بالعمل ، 9- إضافة فيها من الماضي ومن المستقبل ، 10 – ولكن تتجاوزها إلى خلق جديد .

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

حوار مع الدكتور عصمت سيف الدولة


المفكر د.عصمت سيف الدولة
ل{الموقف}:
للصهيونية اسم عربي هو..الشعوبية

الحركة الشعوبية رجعية وفاشلة.

القاهرة-أجرى الحوار عادل علي.

ثلاث مرات أتيحت لي خلالها مقابلة المفكر القومي العربي الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة في مكتبه بالقاهرة؛وفي كل مرة كنت أجده يتحرى الدقة بصبر وجلد لا يملكها إلا طراز خاص من المفكرين.
في المرة الأولى كان غارقا بين مجموعة من المِؤلفات الضخمة باللغتين العربية والانكليزية؛للتأكد من صحة مقتبس منقول عن كارل ماركس في كتيب كان يقرؤه..وتأكد له شكه في صحته ا
في المرة الثانية اضطر إلى معاينة مجموعة من الدوريات التي تصله للتأكد من حقيقة موضوع كان يحدثني عنه؛ ونشرته إحدى تلك الدوريات ا
وفي المرة الثالثة كان منكبا؛ كأي مصحح يعمل في صحيفة؛ على تصحيح نسخ مطبوعة على الآلة الكاتبة..لأحد نتاجا ته الكتابية الجديدة ا
لكن الدقة التي ينشدها الدكتور عصمت سيف الدولة؛تتجلى بشكل خاص خلال الحوار المباشر.فالمطلوب منك أولا خلال محادثته أن{تحاسب على كلامك}وإلا سجلت عليك كل كلمة تقولها في غير موضعها أولا تناسب فكرتك منهجيااا
والمطلوب منك ثانيا أن تدرك أنك تحاور رجلا يشغله الفكر بالدرجة الأولى؛ فيغلب عنده على السياسة بمعناها السائد في الاستخدام العام.
واذاكان المبدأ الصحيح هو ألا تكون هناك فجوة بين الفكر والسياسة؛فان الحرص على هذا المبدأ غير مستغرب من رجل اشتعل رأسه شيبا.وقضى عمره في التأليف والدعوة القومية؛لكن المستغرب أن يظل حماسه الفكري وطموحه القومي متقدا؛وكأنه في ريعان الشباب؛ودليلنا على ما نقول مواقف وأراء د.عصمت سيف الدولة؛التي أدلى بها إلى مجلة{ الموقف }في شؤون الفكر والسياسة العربية.

الشعوبية الجديدة
*تتداول بعض الأوساط القومية العربية مصطلح الشعوبية الجديدة كتسمية تطلق على مصادر وتيارات العداء للوجود القومي العربي بأسره.فهل توافقون على هذا المصطلح؟وماهو توصيفكم للحال الشعوبية في الوقت الحاضر؟
-أنا أفهم الشعوبية على أنها المرحلة التاريخية الوسيطة ما بين القبلية والقومية.وهي بهذا مرحلة أرقى من المرحلة القبلية ولكنها متخلفة عن المرحلة القومية أي رجعية.
وفي الواقع العربي أطلقت الشعوبية كحركة سياسية على محاولة بعض القوى السياسية أن ترجع إلى الانتماء إلى الشعوب التي كانت تسكن في بعض أقاليم الوطن العربي قبل إتمام التكوين القومي.وهي محاولة ليست رجعية فقط ولكن فاشلة أيضا لأن الشعوب التي يريدون إحياء الانتماء إليها لا وجود لها في الواقع.فلا يوجد في الوطن العربي حاليا ومنذ قرون طويلة أشوريون أو فراعنة أو بربر؛أو أيضا-وأرجو أن يكون هذا محل انتباه شديد-أعراب.
إن التكوين القومي للأمة العربية هو الحصيلة النهائية للتفاعل الحربين كل هذه الشعوب؛ والأرض الموحدة والعقيدة الموحدة.واذاكان بدو الجزيرة هم الذين حملوا الإسلام ولغته إلى تلك الشعوب فإنهم لم يبيدوها؛بل بالعكس لقد امتصتهم هي فأصبحوا مصريين وسوريين وعراقيين يستطيعون أن يعرفوا من أين جاء جدودهم الأوائل.كما أصبح الشعوبيون من المصريين أو الأشوريين عربا دون أن ينتقلواالى الجزيرة العربية
من هما يمكن فهم مشكلة الشعوبية في الوقت الحاضر.فلا أحد ينشط من منطلق شعوبي في الوطن العربي يبحث حقيقة عن شعبه أو يأمل في بعثه؛إنما هو ينشط لأسباب أخرى ضد الأمة العربية وقضاياها القومية على وجه التحديد.وطبيعي أنه لا يستطيع أن يقول أنه يعمل لحساب أعداء الأمة العربية؛فيصطنع لنفسه عنوانا لشعب منقرض يقول أنه ينتمي إليه كما لوكان مطلعا وواثقا من أن جينات الوراثة التي وصلت إليه من خلال تزاوج أجداده؛وجداته قد بقيت منذ رمسيس الثاني لم تخالطها شعوب أخرى .
هذا لا يعني أن الشعوبية حركة يمكن للقوميين أن يستهينوا بها؛بالعكس استطيع أن أقول وأنا مطمئن أن الشعوبية التي تنشط الآن-والتي تسمونها الجديدة-أكثر خطورة على الأمة العربية حتى من الصهيونية- ولا تعجب لأن الشعوبية الجديدة هي الاسم العربي ل{الصهاينة العرب}ا المنبع الفكري واحد وهو أحقية الشعوب التي كانت تقيم على أرض الوطن العربي قبل الفتح العربي الإسلامي؛في تحرير أرضها واستردادها.وهو ما يتضمن تقييم الفتح العربي الإسلامي بأنه كان ومازال عدوانا غير مشروع.وهذا هو مذهب الصهاينة أو نظريتهم التي لم يصدقها أحد؛ فلم تنشط الشعوبية قبل عام1948.أما بعد عام 1948فقد ابتدأ أعداء الأمة العربية ووحدتها في الانتباه إلى أنه من الممكن تجزئة الأمة العربية إلى دويلات بناء على دعاوى شعوبية لا يستطيع أحد أن يتحقق من صحتها.وبقي هذا الانتباه ينشط في حلقات ضيقة وعلى المستوى الفكري عادة لأن الصراع العربي ضد المشروع الشعوبي الصهيوني لم يكن قد حسم .في أول سبتمبر {أيلول}سنة1975على وجه التحديد وقع السادات أول اتفاقية ثنائية مع الصهاينة تضمنت الاعتراف بإسرائيل.والاعتراف بإسرائيل يعني أن لليهود حقا تاريخيا في أرض فلسطين منذ ماقبل الفتح العربي- الإسلامي.وأن الفتح العربي الإسلامي لم يكن الااحتلالاطويل المدى للوطن اليهودي؛وأنهم أصحاب حق في تحريره واسترداده؛وأن أكبر دولة عربية تشهد لهم بهذا الحق فتحرك الشعوبيون قبل أن يمضي عام على اتفاقية أول سبتمبر{أيلول}1975؛وبدؤوا الحرب الشعوبية في لبنان؛قبل أن تتحول إلى حرب طائفية ؛وبدأ تمرد جنوب السودان ضد العرب في الشمال؛وبدأت حركة عنف ثوري لإحياء دولة البربر في جنوب الجزائر.بل وتمردت مجموعة من القبائل ذات اللهجة النوبية في شمال شرق السودان.وهكذا غزت الصهيونية العقل العربي؛وأصبح{ العرب الصهاينة.}يتبنونها موقفا ضد الأمة العربية.كل ما في الأمر أنهم يسمونها اسما عربيا هو الشعوبية.
الشعوبية الجديدة أشد خطورة من الصهيونية .

السلاح الاستعماري
*تجمع الدراسات الصهيونية وأبحاث بعض المعاهد الإستراتيجية الأمريكية{مثل معهدي هوفر وبروكنغر}على أن إغراق الوطن العربي في{ دوامة الحروب الدينية} هو السبيل للسيطرة عليه..فهل تعتقدون أن الأعداء قد أحكموا قبضتهم نهائيا على هذا السلاح أم أن الفرصة لم تضع بعد من أيدي العرب المؤمنين بوحدة الأمة وتحررها وتقدمها؟
-يا سيدي؛أنا لا أذكر أني قرأت في الدراسات الصهيونية وأبحاث معهدي{هوفر}و{بروكنغر}ما يدل على أن ما تقوله هوموقف أعداء الأمة العربية؛قد يكون موقفا ملائما للصهيونية .ولكن الحروب الدينية كأداة للسيطرة على الوطن العربي لا يمكن أن تكون واردة في الإستراتيجية الأمريكية:
أولا؛لأن الولايات المتحدة الأمريكية تستعمر فعليا واقتصاديا ؛استعمارامباشراأوغيرمباشر؛كل الدول العربية بدون استثناء وهو استعمار رأسمالي.بناء على هذا فهي لا تحتاج لإغراق الوطن العربي في دوامات حروب دينية أوغيردينية لتسيطر عليه اذأنها مسيطرة عليه فعلا.
وثانيا؛فان الاستعمار الرأسمالي يشن الحروب إلى أن يسيطر؛ثم يهدد بالحرب أو قد يحارب لحماية استقرار السيطرة التي تكفل رؤوس الأموال.الظروف الملائمة للحصول على أكبر قدر من الأرباح وأولها الاستمرار والاستقرار{السلام العادل الشامل الكامل الدائم}.أليست هذه الجملة الأخيرة عنوانا لما تفرضه علينا الولايات المتحدة الأمريكية بالقوة بعد أن سيطرت؟ اعتقد هذا ا
أزمة تنظيم.
*ماهوتحليلكم لأزمة تيار القومية العربية؟هل هي أزمة فكر؛أم أزمة حركة؛أم أزمة ظروف؟
-إنها أزمة تنظيم؛لأن التيار القومي العربي؛أي ملايين وعشرات ملايين البشرفي الوطن العربي المحصورون المحبوسون المعزولون بعضهم عن بعض في سجون الدول العربية أو الدول العربية- السجون لم يستطيعوا حتى الآن أن يتحولوا من ثوار قوميين إلى أداة قومية ثورية.لم يستطيعوا التحول من أفراد وفصائل قومية إلى تنظيم قومي.وهكذا بقيت الحركة القومية في الوطن العربي نشيطة على المستوى الفكري حيث تعاني تخم فكرية ولكنها على أرض الواقع بقيت حركة فردية أوشللية أو قطرية ولم تكسب أبدا السمة القومية في نظام تحركها؛وستبقى غير مؤثرة في الظروف المتجهة ضدها ما لم تتحول من أفراد من أفراد أوقوى إقليمية؛أعني إقليمية التنظيم إلى تنظيم قومي.
صلاحية المنهج القومي.
*هل تعتقدون بصحة الرأي القائل أن كل الطروحات والمناهج والعقليات{الإقليمية؛الطائفية


؛المذهبية الخ..}التي طرحت نفسها كبدائل عن المنهج القومي العربي التحرري قد سقطت في ميدان التجربة؛ وبدأت تعاني من أزماتها الداخلية..وان ذلك يشكل دافعا للمنهج القومي الذي لم تتح له فرصة التجربة الشمولية على مستوى الأمة؟
-اعتقد بصحة هذا الرأي تماما بعد إضافة تصحيحين:
التصحيح الأول؛هوأنه ليس صحيحا أن العجز الإقليمي يشكل دافعا للمنهج القومي.إن الدافع للمنهج القومي هو صلاحيته لحل المشكلات الحية في الوطن العربي.أي أنه يستمد دافعه من صدقه وعلميته وواقعيته.ويجب الحذر من تعليق الدور القومي على العجز الإقليمي كما لوكان القوميون والإقليميون حزبين على الطريقة الانكليزية لا يحكم واحد إلا إذا سقط الثاني في الانتخابات ا.
أما التصحيح الثاني فهو؛أن فرصة التجربة الشمولية على مستوى الأمة لم تتح حتى الآن للمنهج القومي؛لأن المنهج القومي لم يؤهل نفسه لدوره؛لأنه لم يتملك أداة أداء هذا الدور الشمولي على مستوى الأمة كلها ..وما تسميه الفرص لا تتاح لأية قوة؛إنما تنتزعها كل قوة أعدت لها ما استطاعت من قوة.
واقع المنهج العربي هو صلاحيته وصدقه وعلميته وواقعيته.

دعوة للشباب
*لو أردتم أن تحددوا للشباب العربي في كل أرض عربية أولويات عمله ونضاله في هذه المرحلة؛فكيف ترتبون تلك الأولويات؟
-ألف باء النضال؛بل الألف التي تسبق الباء هو أن يملك المناضل أداة نضاله.والشباب العربي في كل أرض عربية لم يملك أداة النضال القومي{التنظيم القومي}.وبالتالي فان الأولوية المطلقة بالنسبة لأي شاب عربي قومي وبالنسبة للشباب العربي القومي جميعا أن يلتحموا في تنظيم واحد.بغير هذا وقبل هذا ستصب جهودهم النضالية كلها أو أغلبها في الحقول الإقليمية أرادوا أم لم يريدوا.

 

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

الأحواز العربية المحتلة

تقع الأحـواز ( عربستان) الى الجنوب الشرقي من العراق ، وتشكل القسم الشمالي الشرقي من الوطن العربي ، وتطل على رأس وشرق الخليج العربي وشط العرب من خلال حدودها الجنوبية ، وهي محصورة بين حطي العرض درجة شمالا وبين خطي الطول درجة شرقا . يحد عربستان من الغرب محافظتا البصرة وميسان ( العمارة ) العراقيتان ، ومن الشرق والشمال جبال البختيارية التي هي جزء من سلسلة جبال زاجروس التي تعتبر الحاجز الجغرافي الطبيعي الذى يفصل بين عربستان ( الأحواز) وايران ويجعل منهما منطقتين مختلفتين تماما فى الخصائص الجيولوجية والطوبوغرافية والحياتية ، فليس هناك أية علاقة فى التكوين الطبيعي بين سهل عربستان وهضبة ايران الجبلية ، وتكاد العلاقات الطبيعية بين عربستان وايران أن تكون معدومة ، تختلف عن ايران اختلاف فقد ذكر السير أرنولد ولسن في كتابه ( جنوب غرب فارس ) في الصفحة رقم ( 98 ) منه ان (( عربستان ألمانيا عن اسبانيا ))، اذ أن ايران عبارة عن هضبة تحيط بها حافات من السلاسل الجبلية الضخمة ونفصلها عن الخارج ليس فيها من جميع جهاتها تقريبا ولا سيما الجهة المحاذية لعربستان التي تتكون من عدد من السلاسل المتصلة الشاهقة الارتفاع التي ممرات سهلية الاجتياز ، بل تتخللها وديان ضيقة تنحدر بشدة نحو سفوحها.

  • المساحة الجغرافية:

 

تبلغ مساحة الأحـواز ( 370.000 كم2 ) ثلاثمائة وسبعين ألف كيلومتر مربع ، ولكن الحكومة الايرانية اقتطعت في عام 1936 تحت ستار اجراء التنظيمات الادارية الحديثة مساحات من اراضيه وضمتها الى ولايات أخرى مجاورة بهدف تقليص مساحته الجغرافية وتحطيم أواصر الوحدة بين أجزائه ، والمساخات المقتطعة هي :

1- (11.000 كم2 ) أحد عشرة ألف كيلومتر مربع اقتطعت من الجزء الجنوبي لعربستان وضمت الى محافظة فارس .

2- ( 10.000 كم2 ) عشرة آلاف كيلومتر مربع اقتطعت من الجزء الشرقي لعربستان وضمت الى محافظة أصفهان .

3- ( 4.4000 كم2 ) أربعة آلاف وأربعمائة كيلومتر مربع اقتطعت من الجزء الشمالي لعربستان وضمت الى محافظة لورستان .

وبذلك يكون مجموع مساحات الاراضي الاحوازية المقتطعة من عربستان ( 25.400 كم2 ) خمسة وعشرين ألف وأربعمائة كيلومتر مربع ، وبهذا تقلصت مساحة الأحواز الكلية من (370.000 كم2 ) ثلاثمائة وسبعين ألف كيلومتر مربع الى (344.600 كم2 ) ثلآثمائة واربع واربعين ألف وستمائة كيلومتر مربع .

ومن دراسة الظواهر الجغرافية لعربستان ( الأحواز ) ، يتضح لنا أن عربستان سطحه سهل منبسط متشابه في جميع أجزائه ، تشقه عدة أنهار ، وتتخلل بعض أقسامه أهوار ومستنقعات . أما الاراضي البعيدة عن الانهار فهي صحراوية قاحلة تغمر السباخ بعض اقسامها . وترتفع الأراضي فجأة من الشرق الى ارتفاعات شاهقة فى جبال البختيارية ومن الشمال في لورستان ( كردستان ) . وليس في عربستان ، ما عدا ذلك ، سوى سلسلة من التلال طولها نحو (30 ميلا ) وارتفاعها نحو ( 300 قدم ) تقع في مد ينة الأحواز العاصمة ، ويشقها نهر كارون .

لقد أثبتت التحريات الجيولوجية أن التاريخ الجيولوجي لأراضي كل من عربستان والسهل الرسوبي من العراق متماثل ، وان أراضيهما تكونت في وقت واحد من ترسبان د جلة والفرات وكارون وتفرعاته ، فأدى ذلك الى ظهور الأراضي الحديثة على جانبي شط العرب الذي يتكون من ضفتين احوازية وعراقية ، لذلك فان سهل عربستان والسهل الجنوبي من العراق يشكلان امتدادا طبيعيا لبعضهما .

 

  • تسمية الأحواز

 

التسمية العربية التاريخية الحقيقية لهذا القطر العربي هو ( الأحـــواز ) ، حيث كان العرب يطلقون اسم الأحواز على هذا القطر العربي السليب ، والأحواز هو جمع لكلمة حوز ، وأصلها مصد ر للفعل حاز بمعنى الحيازة والتملك . وكان العرب يستعملون هذا اللفظ دلالة على تمليك الارض دون سواها . ويشيرون بها الى الارض التي اتخذها فرد وبين حد ودها فاستحقها دون منازع ، كما كانوا يعد ونها دلالة للتبعية الادارية او السياسية او العشائرية بالنسبة للقبائل والحوا ضر والامارات فيقال حوز فلا ن واحواز تميم واحواز البصرة .

أما تسمية الأحواز ب( عربستان ) فان الفرس أنفسهم هم الذ ين أطلقوا هذه التسمية عليه في عهد الشاه اسماعيل الصفوي اعترافا منهم وفي عهد حكمهم الفارسي في ايران بأن أرض الأحواز أرض عربية وأن شعبه شعب عربي ، الا أن الفرس عاد وا فيها مواضع فأبد لوا اسمها الى خوزستان بعد احتلا لها عام 1925 ، ومعناها بلاد القلاع والحصون ، اذ أن العرب بعد معركة القاد سية بنوا حربية كل موضع يسمى خوز بالفارسية .

وكلمة عربستان فهو اسم يطلقه غير العرب على الارض العربية المجاورة لهم ، فقد اطلق الاتراك اسم عربستان على القسم الشمالي من سوريا . وأطلقت الحكومة الفارسية في عهد الصفويين هذا الاسم على الأحواز ومعناه بلا د العرب . وهذا اعتراف ضمني من فارس بعروبة هذا القطر العربي المغتصب .

على أنه مهما كان الرأي في سبب التسمية ، فاءنها تشير وتؤكد على أن شعب الأحواز عربي ومن أصل عربي ، وأنهم يشكلون وجودها وفي شخصيتها ، فاءن كل ما في ، أغلبية مطلقة ساحقة في هذا القطر العربي السليب . واذا كانت الآثار الحضارية لأمة ترتب لها حقوقا في تثبيت انتمائها وفي عربستان من آثار وملامح ووجود يؤكد عروبتها وأصالتها العربية . فالتكوين البشري الاجتماعي لسكانها عربي مكين الدعائم ، وجميع ما فيها من مقومات ينطق بعروبتها ، وكل ما قام في ربوعها من أقد م الأطوار الحضارية وفي أبعد أعماق التاريخ كان بتأثير من حضارة وادي الرافدين ، وبالاضافة الى كل ذلك فاءن أرض الأحواز ( عربستان ) قد تكونت من طمى نهر كارون وشط العرب .

وبعد الاحتلال الفارسي للأ حواز ( عربستان ) عام 1925 اطلق الغزاة الفرس عليه اسم خوزستان وهي تسمية فارسية قد يمة ومعناها بلاد القلاع والحصون . أما الهدف الفارسي الاساسي والسياسي من تغيير اسم الأحواز ( عربستان ) الى اسم خوزستان هو طمس الهوية العربية والحقيقة التاريخية واضفاء الصبغة الفارسية على هذه المنطقة العربية التاريخية المغتصبة من الوطن العربي الكبير ضمن ساسة فارس فى تفريس هذا القطر العربي السليب.

  • الأ نهـــــار

 

أما الأنهار في عربستان فهي كثيرة ، وأهمها نهر كارون وهو أكبرها أيضا والوحيد بينها الصالح للملاحة ، ينبع من جبال البختيارية ويصب في شط العرب حيث تقع مدينة المحمرة ، كما تقع مدينة الأحواز في وسطه ، ويبلغ طوله زهاء (1300 كيلومتر ) ، وأهم روافده نهر الد ز ( كارون الأسفل ) الذى تقع مدينة د زفول على ضفته اليسرى ، ونهر الميناو – د بيس – الذى يعد أحد روافد كارون المهمة في شرقي مدينة الأحواز . أما نهر الكرخة فاءنه ينبع من جبال بشتكوه ويصب في هور الحويزة . وهناك نهر الجراحي ، وهو نهر كبير يصب في هور الفلاحية ويبعد عن الأحواز ( 38 كيلومترا ) .

وهناك أنهار أخرى في عربستان ( الأحواز ) قليلة الأهمية ، منها كركر وشاوور وعجيرب ولوره وشطيط .

 

  • مدن الأحواز

 

أما المدن في الأحواز ( عربستان ) ففيها كثير من المدن التاريخية والحديثة ، وأهمها :

الأحواز

يلفظها الفرس ( الأهواز ) لأنه ليس في كلامهم حرف يماثل حرف ( الحاء ) العربي فيلفظونه ( هاء ) ، ويقسم نهر كارون مدينة الأحواز ( الذى يمر في المدينة ) الى ضفتين هما الناصرية والأمنية ، وهي عاصمة الأحواز ( عربستان ) وتقع الى الشمال الشرقي من مدينة المحمرة . والأحواز جمع كلمة ( حوز ) وهي من مصد ر الفعل حاز يحوز بمعنى تملك يتملك ، وكان العرب يستعملون هذا اللفظ دلالة على تملك الأرض حصرا د ون سواها من أنواع التملك الأخرى ، ويشيرون به الى الأرض التي يتخذها أي شخص ويرسم حدودها فيستحقها د ون منازع .

وهي موطن عشائر وقبائل آل سيد نعمه ( وهم من بني هاشم – هاشميين النسب – )

المحمرة

أبد ل الفرس اسمها العربي الى الفارسي ( خرمشهر ) ، وتقع عند مصب نهر كارون في شط العرب . وتبعد عن مد ينة الأحواز ( 120 كم ) ، وهى ميناء تجاري مهم .

عـبادان

تقع على شط العرب جنوب المحمرة بحوالي ( 18 كم ) في جزيرة تحيط بها المياه من جميع جهاتها هي جزيرة خضر ، وعـبادان وتسمى ايضا جزيرة المحـرزي ، أما سبب تسميتها بـ( عـبادان ) نسبة الى القائد العربي عـباد بن الحصين وهو اول من رابط بها ، استبد ل الفرس اسمها العربي الى التسمية الفارسية ب ( آبادان ) ، وهى ميناء رئيسي لتصدير نفط الأحواز ( عـربستان ) وفيها أكبر مصفاة للنفط في الشرق الاوسط .

الحويزة

أبد ل الفرس اسمها العربي الى ( دشت ميشان ) . وكانت دولة المشعشعين ( وهم من بني هاشم ) قد اتخذتها عاصمة لها عام 1441 م ، وهي موطن قبائل بني طرف ( طي – وهم قبائل حاتم الطائي ) ، وتقع على نهر الكرخة شمال غربي المحمرة بأتجاه محافظة ميسان ( العمارة ) العراقية . يذكر ياقوت الحموي في معجمه ج3 ( ص 373 – 374 ) أن الحويزة تصغير الحوزة وأصلها من حاز يحوز حوزا ، وهو موضع حازه د بيس بن عفيف الأسدي في أيام الطائع لله ونزل فيه وبنى أبنيته . وقد خضعت منطقة البصرة العراقية الى نفوذ امارة الحويزة فى عهد حكم المشعشعين عام 1693 – 1700 م .

تستر

أبد ل الفرس اسمها الى ( شوشتر ) ، وهي غوطة الأحواز ( عربستان ) الخصبة ذات المياه الوفيرة .

السوس

أبد ل الفرس اسمها الى ( الشوش ) ، وهي مد ينة تاريخية حضارية يرجع تاريخها الى خمسة ألآف سنة قـبل الميلا د ، وهي مركز او عاصمة الامبراطورية العيلا مية ومن أثارها مسلة حمورابي التى عـثرت عـليها التنقـيبات الفـرنسية عام 1901 – 1902 في هـذه المد ينة ، آنذالك كانت الدولة السومرية والبابلية والاشورية في العراق ، أما في الأحواز كانت الدولة العيلامية وهذه الدولة هي شقيقة للسومرية والبابلية والاشورية يشكلان حضارة العراق والأحواز في يومنا هذا .كما كانت تسمى السوس فى اللغة العيلامية القد يمة سوسيانا ، اي بلا د الشرق . ومن آثارها التاريخية ايضا قلعة العيلا ميين التاريخية ومقام نبي دانيال الآثري .

 

  • القلعة العـيلامية في مد ينة السوس التاريخية

مدينة السوس هي عاصمة الأحواز في العهود الاكادية ، والعيلامية ، والسومرية ، والبابلية ، والاشورية ، على التوالي .

قـنطرة القلعة

أبد ل الفرس اسمها العربي الى ( د زفول ) او ( دسبول ) ، وتقع على نهر الد ز ، وأراضيها عبارة عن تلول متوازية .

الفلا حية

وتسمى عربيا الد ورق ايضا ، أبد ل الفرس اسمها الى ( شاد كان ) ، وهي مركز أمراء الأحواز ( عربستان ) قبل بناء المحمرة وسكنها بنو كعب ، وتقع على نهر الجراحي .

مسجد سليمان

تقع في أقصى شرق الأحواز ( عربستان ) وتتركز فيها آبار النفط .

الخفاجية

أبد ل الفـرس اسمها الى ( سوسنكرد ) .

 

  • مد ينة الخفاجية احدى المد ن الرئيسية في الأحواز

قرية الملا

وتسمى عربيا البسيتين ايضا ،أبد ل الفرس اسمها الى ( بستان ) .

الصالحية

أبد ل الفـرس اسمها الى ( أند مشك ) .

الأحجار السبعة

أبدل الفـرس اسمها الى ( هـفـتـكل ) .

الحميد ية

أبد ل الفـرس اسمها الى ( فـرح آباد ) .

العـميد ية

أبد ل الفـرس اسمها الى ( اميد ية ) لخلو اللغة الفارسية من حرف العين وعد م تمكن الفـرس من تلفـظه .

الخـزعـلية

أبد ل الفـرس اسمها الى ( خـزعـل آباد ) .

ميناء خور عبدالله

أبد ل الفـرس اسمه الى ( بند ر شابور – في عهد الشاهنشاهية – ، أما في زمن نظام الملا لي اطلق عليه بند ر خميني ) .

وهـناك مد ن أخرى ، منها الفـيلية والد بـيـس ومعـشور وقـلعة الشيـخ والخـلفـية ، وغـيرها .

الأ قتصاد الأحوازي

أما الناحية الاقتصادية في الأحـواز ( عربستان ) ، فاءن موقعها الاستراتيجي الذى تطل منه على سواحل الخليج العربي الشمالية والشرقـية قـد جعل لها دورا اقـتصاد يا رئيسيا في المنـطقة . وتستند حياة الأحـواز الاقـتصاد ية الى ثلا ث ركائز أساسية ، وهي :

الـنـفـط

تم العـثور عليه أول مرة عام 1908 في مسجد سليمان ، وهي احدى مد ن الأحـواز ( عربستان ) الواقـعة على بعـد ( 150 كم ) من رأس الخـليـج العـربي، قـبل عليه في مناطق الخليج العـربي الأخرى . وقـد مد ت أنابيب النفـط في الأحـواز ( عربستان ) عام 1912 من المناطق النفـطية فـيها الى عـبادان لنـقـل الزيت الخام منها الى الخارج بواسطة رصيف للبواخـر انشىء لهذه الغاية ، كما تم فيها بناء مصفاة لتكرير النفـط . وقـد بلـغـت حـقـول الـنـفـط المكـتشفة عـند بدء الحـرب العالمية الأولى أكثر من مـائتي بئر ، لهذا تركز لدى شركات الـنـفـط العالمية الاحتكارية اهـتمام خاص بهذه الحـقـول وبالمـنـطـقـة عموما . تمتلك حقـول الأحـواز 68 مليار برميل من النـفـط . وتنتج 3,5 – 4 ملا يين برميل يوميا . شاما انتاجـها من الغـاز فـيقـد ر بـ ( 9,500 ) مليون متر مكعب . وتؤمن بانتاجـها من النـفـط والغاز مبلغ ( 17 ) مليار دولار . ( هـذا حسب الاحصاءايات الرسمية والدولية عام 1981) .

  • الزراعـة

 

تعتبر الزراعة المورد الرئيسي لشعـب الأحـواز ، وهي حـرفـتهم الأولى ، وتشكل مياه نهري كارون والكرخة وروافـدهـما المـصد ر الرئيسي للري في الأحـواز ، وتشتهر الأحـواز بزراعة النخـيل ، وخـاصة بين المحمرة وعـبادان والفلا حـية ، وبزراعة الحـنطة والشـعـير وقـصب السكر والشوقـند ر والرز والقـطن والتين والتوت والحمضيات الرجي ( البطيخ ) والشمام ، وغـيرها. كما يـقـد ر انتاج الأحـواز من الحـبوب ما يـعاد ل ثلث انتاج ايران المقـدر بـ ( 3 ) ملا يين طن . كذ لك تنتج نحـو ( 250 ) الف طن من الرز ، أي ربع الانتاج الاجمالي . ( هـذا حسب المصادر الرسمية لعام 1981 ) .

 

الـتـجـارة

بسبب موقع كل من المحمرة وعـبادان فـقـد أصبحتا المينائين الرئيسيين لاستيراد البضائع الى الأحـواز ( عربستان ) وتصديرها منها ، وبنيت لهما مراس حديثة متـطورة لاستقـبال السفـن بأحجـامها المـخـتـلفة .

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

مفهوم العدل الاجتماعي في الفكر الاجتماعي المقارن


د.صبري محمد خليل/ أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم
تعريف العدل الاجتماعي:العَدْل لغة: ما قام في النفوس أَنه مُسْتقيم، وهو ضِدُّ الجَوْر…وفي أَسماء الله سبحانه: العَدْل، هو الذي لا يَمِيلُ به الهوى فيَجورَ في الحكم…والعَدْلُ الحُكْم بالحق…والعَدْلُ من الناس: المَرْضِيُّ قولُه وحُكْمُه (لسان العرب).
أما اصطلاحا فقد تعددت تعريفاته ومنها تعريفه بأنه: “التقدير الصحيح والاعتراف الكامل بحقوق وجدارة كل فرد واحترامها” (قاموس ليبيتي روبير(،و”الفضيلة والخصلة الأخلاقية اللتان تحفزان على القسطاس واحترام حقوق الغير” ( قاموس لاروس)،
ومرجع هذا التعدد تركيز كل تعريف على بعد معين او أبعاد معينه لقيمه العدل،والتعريف الذى نأخذ به هو التعريف القانوني، ومضمونه تعريف العدل بأنه نظام إجرائي،لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه، طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف، وذلك بما يسمى الحكم ( القضاء)، ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله ولو بالإكراه.
أما العدل الاجتماعي فهو: نظام اقتصادي، يضبط النشاط الاقتصادي،على وجه

يتيح لكل أفراد المجتمع، فرص متكافئة لتوظيف إمكانياتهم ومقدراتهم،وعائد مكافئ لمجهوداتهم،طبقا لقواعد منظمه لعلاقات الناس قبل هذا النشاط.

يقول الفارابي(العدل أولاً يكون في قسمة الخيرات المشتركة التي لأهل المدينة على جميعهم… فأن لكل واحدٍ من أهل المدينة قسطا ًمن هذه الخيرات مساوياً لأستئهاله، فنقصه عن ذلك وزيادته جور)( أبو نصر الفارابي، تحقيق فوزي متري نجار، بيروت، دار المشرق، 1971).
المساواة: وطبقا للتعريف السابق فان العدل الاجتماعي مرتبط بقيمه المساواة التي مضمونها ان تحكم العلاقة بين الناس في المجتمع قواعد عامه مجرده سابقه على نشاْه تلك العلاقات ، دون إنكار تفاوت الناس في الإمكانيات والمقدرات والمجهودات الذاتية.
التوازن بين الفرد والمجتمع: كما أن العدل الاجتماعي مرتبط بتحقيق التوازن بين الفرد والمجتمع، من خلال التأكيد على ان الجماعة بالنسبة للفرد كالكل بالنسبة للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه .
الملكية الاجتماعية: كما ان العدل الاجتماعي مرتبط بوظيفة الملكية في النظام الاقتصادي المعين، اى صاحب الحق في القرار الاقتصادي بالنسبة للشيء المملوك، فهو يتحقق عندما يكون القرار الاقتصادي أصلا من حق المجتمع، بالتالي لا يتناقض القرار الاقتصادي للمالك مع مصلحه المجتمع، بصرف النظر عن الشكل القانوني للملكية (فرديه،تعاونيه ،مشتركه ،عامه…) .
مصطلحي العدل الاجتماعي والاشتراكية: وكثيرا ما يقترن مصطلح العدل الاجتماعي بمصطلح الاشتراكية، غير ان الحديث عن الاول هو حديث على مستوى قيمي، اى حديث عن قيمه تضبط النشاط الاقتصادي، بينما الحديث عن الثاني هو حديث على مستوى فني(تقنى)، اى حديث عن نظام او نظم اقتصاديه معينه،هى بمثابة تطبيق لقيمه العدل الاجتماعي، وطبقا لفلسفه او فلسفات اقتصاديه معينه. وقد شاع استخدام مصطلح الاشتراكية حتى عند المفكرين الإسلاميين خلال القرن الماضي، نسبه لقيام الكتلة الاشتراكية بقياده الاتحاد السوفياتى سابقا، وامتدادها إلى ما يعادل نصف الكره الارضيه ، وتبنى المشروع الناصري للاشتراكية، يقول الشيخ محمد الغزالي)إن الإسلام أخوة في الدين واشتراكية في الدنيا (الإسلام والاشتراكية ، ص 183و (ان أبا ذرٍّ كان اشتراكيا وأنه استقى نزعته الاشتراكية من النبي صلى الله عليه و سلم (. الإسلام المفترى عليه ، ص  103.ويقول الشيخ مصطفى السباعي ( لقد سميت القوانين والأحكام التي جاءت في الإسلام لتنظيم التملك وتحقيق التكافل الاجتماعي باشتراكية الإسلام) (مصطفى السباعي، اشتراكيه الإسلام. غير ان مصطلح الاشتراكيه خفت في نهاية القرن الماضي نسبة لانهيار الاتحاد السوفياتى والكتلة الشرقية ،وارتداد الرئيس أنور السادات عن الخط الاشتراكي ، وتبنيه للخط الرسمالى تحت شعار الانفتاح الاقتصادي، ومن ثم تقليد اغلب الدول العربية له. فضلا عن مصطلح الاشتراكيه قد اقترن في أذهان الكثيرين بإحدى دلالاته الخاصة المنفردة ( الماركسية ) ، والتي قد تتناقض مع بعض اصول الدين، دون دلالته العامة المشتركة التي لا تتناقض معها. وبقيام ثوره الشباب العربي ضد نظم اتخذت موقف القبول المطلق للنظام الاقتصادي الراسمالى تحت شعارات الانفتاح الاقتصادي او الخصخصة او تطوير القطاع العام او الإصلاح الاقتصادي، وما لازم ذلك من ظلم اجتماعي ، تم طرح شعار العدل الاجتماعي كغاية أساسيه من غايات هذه الثورة..

العدل الاجتماعي فى الفكر الاجتماعي الغربي:

مفهوم العدل: تناول الفكر الاجتماعي الغربي مفهوم العدل ، وتعددت تعريفاته له بتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة التي استند إليها الفلاسفة الغربيين ،حيث عرفه السفسطائيون بأنه” منفعة الأقوى “، وعرفه سقراط بأنه”إعطاء كل شخص حقه” وعرفه أرسطو بأنه “ممارسة الفضيلة والسلوك المستقيم في علاقتنا مع الآخرين” ، وعرفه هوبز بانه ” طاعة القوي القادر على ان يجعل نفسه مطاعاً” ، وعرفه هنري برجسون بأنه “ما يثير في الذهن أفكار المساواة والنسبة والتعويض “. وعرفته الفلسفة الوضعية بانه ” طاعة الأفراد لقوانين السلطة، وعرفته فلسفه القانون الطبيعي” بانه جزء متأصل في طبيعة الإنسان، يتم اكتشافه بالعقل، ومن ثم تطبيقه بواسطة القوانين الوضعية المتسقه مع قواعد القانون الطبيعي”. أما الفلسفة النفعية فعرفته بانه” القوانين التي تهدف إلى منفعة الناس وخيرهم) ( احمد جمال ظاهر، دراسات في الفلسفة السياسية. عمّان: دار مكتبة الكندي للنشر، 1988،ص 171-183.
الفلسفات والنظم الاقتصادية الغربيه والعدل الاجتماعى:
الليبرالية(الراسماليه): تستند الليبرالية كمنهج إلي فكره القانون الطبيعي، ومضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل، تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة)، والراسماليه بما هي النظام الليبرالي في الاقتصاد قائمه – استنادا إلى ذات المنهج -على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع في النشاط الاقتصادي ، كما تستند إلى مفهوم الملكية الخاصة، ،اى حق المالك في اتخاذ القرار الاقتصادي دون المجتمع .وبناءا على هذا فان الليبرالية والراسماليه كنظام ليبرالي في الاقتصاد نظرتا إلى قيمتي العدل والعدل الاجتماعى من خلال قيمه الحرية،اى من خلال اعتبار ان الحرية قيمه مطلقه قائمه بذاتها، ومستقلة عن غيرها من القيم، وبالتالي فان تحقيق قيمه الحرية سيؤدى تلقائيا الى تحقيق قيمتي العدل والعدل الاجتماعى، كما أنها نظرت إلى العدل الاجتماعى من خلال تصور معين للعلاقة بين الفرد والمجتمع، يقوم على التأكيد على حرية الأفراد المكونين للمجتمع،إلى درجه قد تلغى وحدته ممثله في الدولة، وذلك بدعوتها إلى أن تكف عن التدخل في المجتمع.كما أنها نظرت الى العدل الاجتماعى من خلال تصور معين لوظيفة الملكية قائم على حق المالك في التصرف المطلق في المال.
كل هذا أدى إلى انتفاء العدل الاجتماعي في ظل النظم الاقتصادية الراسماليه، مما أدى إلى ظهور الحركات الاشتراكيه ذات المنطلقات الفكرية المتعددة(الطوباوية، الماركسية، القومية، الدينية…)،وبالتالي حققت هذه المجتمعات قدر العدل الاجتماعى تحت ضغط هذه الحركات ، ،ونتيجة لنضال شعوبها ومنظماته الحزبية والنقابية.
ذلك ان قيمتي العدل والعدل الاجتماعى رغم ارتباطهما بقيمه الحرية إلا إنهما لن يتحققا تلقائيا من خلال تحقيق هذه القيمة، فضلا عن ان الديموقراطيه الليبرالية في المجتمعات الغربية إذ تحرر الشعب من استبداد الحاكمين،لا تضمن عدم استبداد الرأسماليين فيه،هذا بالاضافه إلى تجاهل الليبرالية لقيمه المساواة ذات الارتباط الوثيق بقيمتي العدل والعدل الاجتماعى. كما ان التجربة أثبتت ان ترك كل فرد يفعل ما يشاء سينتهي إلى ان لا يستطيع كثير من الناس فعل ما يريدون،وهنا تنتفى الفرص المتكافئه للأفراد لتوظيف إمكانياتهم ومقدراتهم . كما ان الراسماليه كنظام ليبرالي فى الاقتصاد بتأكيدها على الفرد وتجاهلها للجماعة، واستنادها إلى الملكية الخاصة، تلغى التوازن بين الفرد والمجتمع اللازم لتحقيق العدل الاجتماعى.
الماركسية : أما الماركسية فقد تناولت العدل الاجتماعى ليس على المستوى القيمى بل على مستوى العلوم الاقتصادية والاجتماعية و طبقا لمنهجها المادي الجدلي والمادي التاريخي الذي هو محصلة تطبيق الاول على التاريخ،و مضمون الأخير أن البنية الفوقية (الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية ) مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج ) . وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج. وهذا التطور يتم عبر أطوار هي الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية ، وفيها يجب الالغاء الشامل للملكيه الخاصة والفرديه لكل أدوات الإنتاج.
وهكذا فان الماركسية أكدت على قيمه المساواة ذات الصلة الوثيقة بالعدل الاجتماعى ، لكنها تطرفت في هذا التأكيد إلى درجه تحولت فيها المساواة إلى مثلية أي لدرجه إنكار تفاوت الناس في الإمكانيات والمقدرات والمجهودات الذاتية. فضلا عن إهمالها لقيمه الحرية اللازمة لضمان عدم الانحراف الدولة عن غاية العدل الاجتماعي.كما أنها اختارت التأكيد على وحده المجتمع ولكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء حرية الأفراد فيه ، وبهذا أخلت بالتوازن بين الفرد والجماعة اللازم لتحقيق العدل الاجتماعي..
ثانيا:الفكر الاجتماعي الاسلامي:
العدل: أما الفكر الاجتماعى الاسلامى فقد اعتبر ان العدل هو قاعدة من قواعد النظام العام الاسلامى ‏(‏وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)‏ ‏[‏النساء‏:‏ 58‏]‏‏.‏(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) النحل: 90
العدل الاجتماعي: كما اعتبر الفكر الاجتماعي الاسلامي ان العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: تكافؤ الفرص وعدالة الأجور، حيث أشارت العديد من النصوص إلى الشرط الاول(تكافؤ الفرص)، ومنها النصوص التي تفيد ان على الدولة الاسلامية ان توفر العمل المناسب لكل فرد حسب مقدرته، مثل ما روى البخاري وغيرة أن رجلا جاء إلى النبي( صلى الله عليه وسلم) يطلب إليه أن يدبر حاله لأنه خال من الكسب، وان الرسول دعا بقدوم وسواة بيده ، وجعل له يدا خشبية وضعها فيه ثم دفعه للرجل وكلفة بالعمل لكسب قوته في مكان اختاره له ،وأوجب الإمام الغزالي في الإحياء أخذا بهذا الحديث ان على ولي الأمر إن يزود العامل بالة العمل، ومنها النصوص المبينة لكيفية توزيع العطاء في الإسلام،ومنها قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ” والله ما احد أحق بهذا المال من احد ،وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ،فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته ،والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى”. كما أشارت العديد من النصوص إلى الشرط الثاني (عدالة الأجور)، فقد روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر في استخدام الصحابة في العمل فقال” أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة ” قال أبو يوسف في تفسيره” إذا استعملتم على شيء فابذل لهم العطاء والرزق لا يحتاجون”، وأورد المارودي عن عطاء الجند( انه معتبر بالكفاية حيث يستغني بها عن التماس مادة تقطعه عن حماية البيضة، والكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه، احدهما: عدد من يعول من الذرارى والممالك والثاني: ما يرتبطه من الخير والظهر، والثالث: الموضع الذي يحله في الغلا والرخص فتقدر كفايته في نفقته وكسوته العام كله فيكون هذا المقدار في عطائه ثم تعرض حاله في كل عام فان زادت حاجته الماسة زيد وان نقصت ونقص وجوز أبو حنيفة زيادته على الكفاية.
المساوه: كما قرر الفكر الاجتماعى الاسلامى قيمه المساواة ذات الصلة الوثيقة بالعدل الاجتماعى:قال ﴿ أن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾.”الناس سواسية كأسنان المشط ” والمساواة في الإسلام تعني أن تحكم العلاقات بين الناس في المجتمع قواعد عامة مجددة سابقه علي نشأة تلك العلاقات ،هي الحدود التي وضعها مالك المال تعالى لتنظيم انتفاع المستخلف فيه ( الجماعة)، على الوجه الذي يحقق مصالحها ككل وليس مصلحه فرد أو فئة،دون إنكار ما يكون بين الناس من تفاوت في المواهب والمقدرات الذاتية : ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾  الزخرف: 32.
الفرد والجماعة :كما ان الفكر الاجتماعى الاسلامى يرفض النزعة الفردية التى تؤكد على الفرد لتلغى الجماعة (انما ياكل الذئب من الغنم القاصية)، كما يرفض النزعه الجماعية التى تؤكد على الجماعة لتلغى الفرد (لا يكن أحدكم امعة، يقول أنا مع الناس ان أحسنوا أحسنت، وان اساؤا أسأت، بل وطنوا أنفسكم، ان أحسن الناس أحسنتم ، وان أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم)، ويقوم على التوازن بين الفرد والجماعة من خلال التأكيد على ان الجماعة بالنسبة للفرد كالكل بالنسبة للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه(مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ،إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)، وهو التوازن اللازم لتحقيق العدل الاجتماعى…
الملكية الفرديه ذات الوظيفة الاجتماعية:كما سبق بيانه فان العدل الاجتماعى مرتبط بوظيفة الملكية في النظام الاقتصادي المعين، اى صاحب الحق فى القرار الاقتصادي بالنسبة للشيء المملوك، فهو ينتفي عندما يكون من حق المالك اتخاذ القرار الاقتصادي دون المجتمع(الملكية الخاصة)،ويتحقق عندما يكون القرار الاقتصادي أصلا من حق المجتمع، وبالتالي يجب ان لا يتناقض القرارالاقتصادى للمالك مع مصلحه هذا المجتمع (الملكية الاجتماعية) ، بصرف النظر عن الشكل القانوني للملكية (فرديه،تعاونيه ،مشتركه ،عامه…). وبالرجوع إلى الفكر الاقتصادي الاسلامى نجد انه يرفض
الملكية الخاصة،والتي تسمى (ملكية الرقبة)،والتي تخول للفرد التصرف المطلق في المال ،
اذ ان مضمونها يقابل مصطلح الملكية القرآني ،والملكية طبقا له هى صفة من صفات ربوبية الله تعالى ﴿ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ المائدة: 17. وإسنادها الملكية إلى سواه هو شرك في الربوبية ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إلا سراء: 111 .أما الملكيه الفرديه كالشكل القانونى للملكيه، مضمونه حق الفرد فى التصرف المقيد بالمال، فقد اقرها الاسلام ، لكن على وجه يتسق مع تصور خاص للملكيه الاجتماعيه قائم على مفهوم الاستخلاف العام ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7)

 ومضمونه:
أولا: إذا كان المالك سبحانه قد استخلف الجماعة في الانتفاع بالمال، فان للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، وأدلة ذلك قال (صلى الله عليه وسلم)( الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلاء والنار (روه احمد وأبو داود).كما إن الشرع جاء بالحمى وهو (الأرض المحمية من الانتفاع الفردي لتكون لانتفاع المسلمين جميعا)، ومن المتفق عليه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) حمى أرض بالمدينة يقال لها النقيع لترعى فيها خيل المسلمين (رواه احمد)( الماوردي ، إلاحكام السلطانية ، ص 164)،وحمى عمر أيضا أرضا بالربدة وجعلها مرعى لجميع المسلمين”( أبو عبيدة، الأموال، ص299 ).
ثانياً: أن انتفاع الجماعة بمصادر الثروة الرئيسية يكون بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها. قال عمر بن الخطاب (رضى الله عنه)( لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة.
واورد الحسن البصري (أربعة من إلا سلام إلى السلطان: الحكم و الفئ والجمعة والجهاد.
ثالثاً : أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد (القطاع الخاص)بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحتها.
خاتمه: العدل الاجتماعى بين ما هو كائن وما ينبغي ان يكون:إنما سبق من حديث ينصب على ما ينبغي أن يكون، أما ما هو كائن في واقع المجتمعات المسلمة فهو شيوع الظلم الاجتماعي نتيجة لانتفاء قيمتي العدل والعدل الاجتماعي والقيم المرتبطة به كالمساواة والحرية …نتيجة لعوامل داخليه (كالاستبداد) وخارجية (كالاستعمار) متفاعلة،ولاختلال التوازن بين الفرد والجماعه نتيجة لانزلاق هذه المجتمعات إلى الجماعية القبلية، ولتطبيق هذه المجتمعات للنظام الاقتصادي الراسمالي تحت شعارات عده كالانفتاح والخصخصة والإصلاح الاقتصادي كما سبق بيانه،وتبنى هذه المجتمعات لمفهوم الملكية الخاصة تحت تأثير الفكر الليبرالي، ونتيجة لخلطها بين الملكية الخاصة و الملكية الفردية كما سبق بيانه… و الانتقال مما هو كائن (الظلم الاجتماعى) إلي ما ينبغي أن يكون ( العدل الاجتماعي) لا يتم إلا من خلال ما هو ممكن، وما هو ممكن اقتصاديا يأخذ أشكال عديدة كالتأكيد على دور الدولة في الاقتصاد،مع العمل على إصلاح القطاع العام و تطهيره من البيروقراطية والفساد. وتجاوز موقفي القبول او الرفض المطلقين من الخصخصة (الآلية الأساسية للراسمالية )إلى موقف نقدي منها قائم على :الوقوف ضد خصخصة المؤسسات الاستراتيجية والسلع الضرورية،مع ضمان شفافية وديمقراطية الخصخصة للقطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة. وتوجيه القطاع الخاص والاستثمار الاجنبى نحو المجالات الانتاجيه التي تحقق الفائدة للمجتمع لا المجالات الاستهلاكية على حساب المجتمع. وتفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي.وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني ذات الصله كالجمعيات التعاونيه والنقابات…


نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

الناصرية والعلمانية: قراءه نقدية

د.صبري محمد خليل/ أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطومsabri.khalil@hotmail.com

الدين والتجربة:

 

تمهيد: يهدف المقال إلى إثبات ان التجربة الناصرية -على المستويين النظري والتطبيقي – تناقضت مع العلمانية كحل قدمته أوربا الليبرالية،ضمن ظروف تاريخيه خاصه، لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما. وان الحل الذى يعبر عن الناصرية -تجربه وفكرا -هو حل ثالث يتجاوز كل من العلمانية والثيوقراطيه.

تعريف العلمانية :فالعلمانية هي الحل الذى قدمته الليبرالية لمشكله العلاقة بين الدين والدولة ،ومضمونه فصل الدين عن الدولة، وقد كانت العلمانية فى الأصل جزء من الديانة المسيحية ،تحولت إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي لمشكله العلاقة بين الدين والدولة ، بالاضافه إلى ان جوهر الدعوة إلى العلمانية في مجتمع اسلامى هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع) بالقيم والآداب والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية اى التغريب

التناقض:والعلمانية على الوجه السابق بيانه تناقضت مع التجربة الناصرية بمستوييها النظري

والعملي:

 أولا:/المستوى النظري:

الرفض بين الشكل والمضمون: وبالرجوع إلى التجربة الناصرية فإننا نجد ان عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانيه فى اى من خطاباته الشفهية او وثائقه المكتوبة ، يقول مخلص الصيادي(من الناحية الشكلية ليس في تاريخ الناصرية ـ وفق علمي ـ ما يشير إلى تبنيها للعلمانية من حيث المصطلح ، ولم تثر هذه القضية في تاريخ الناصرية ، ولا يعرف أن جمال عبد الناصر أتى عليها، على الرغم من أنها كانت مثارة بقوة وبوضوح في المجالين الإسلامي بالنموذج التركي، والعربي بالنموذج البورقيبي. مخلص الصيادي ، الناصرية والدين ، منتديات الفكر القومي العربي) .  هذا فضلا عن رفضه للعلمانية مضمونا فى بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963 (الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط)
الموقف الايجابي من الدين: ، والعلمانية كحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، مضمونه الفصل بين الدين والدولة، تتخذ موقفا سلبيا من الدين-على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع – وهى هنا تتناقض مع التجربة الناصرية، لأنها  اتخذت موقف ايجابيا من الدين على المستويين النظري والعملي

 ا/ المستوى النظري: فقد كانت التجربة الناصرية ذات موقف ايجابي من الدين على المستوى النظري:

  • حيث يرى عبد الناصر أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو(إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسانية في كل زمان ومكان)( الميثاق الوطني ، 1962 ،الباب الاول)
  • كما يرى ان الشعب المصري(يعتقد في رسالة الأديان، وهو يعيش في المنطقة التي هبطت عليها رسالات السماء)( الميثاق ، الباب العاشر).
  • كما يرى ان الفتح الاسلامى كان (… ضوءاً أبرز هذه الحقيقة وأثار معالمها، وصنع لها ثوباً جديداً من الفكر والوجدان الروحي، وفي إطار التاريخ الإسلامي، وعلى هدى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، قام الشعب المصري بأعظم الأدوار دفاعاً عن الحضارة الإنسانية.. ثم كان قد تحمّل المسؤولية الأدبية في حفظ التراث الأدبي العربي وذخائر الحافلة، وجعل من أزهره الشريف حصناً للمقاومة ضد عوامل الضعف والتفتت)(الميثاق ، الباب الثالث).
  • كما يرى ان الإسلام هو الذى وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة – الإسلام – وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عبادة إلى الحق) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958).
  • كما يرى عبد الناصر ان هناك عدو واحد للعرب والمسلمين هو الاستعمار، ومرض واحد هو الفرقة والتخلي عن الجهاد (يجب أن نعرف أن العالم العربي والعالم الإسلامي يقفان اليوم أمام عدوّ واحد، ويتهاويان أمام مرض واحد. أما عدوّنا فهو الاستعمار، وأما مرضنا فهو الفرقة والتخلي عن الجهاد في سبيل الله.. كما يجب أن يؤمن العرب والمسلمون بأن عهد اللغو والكلام قد انقضى، وأن عهداً جديداً يجب أن يبدأ، عهداً قوامه إيمان بالله، وعماده العمل في سبيل الله( خطاب أمام المؤتمر العربي الإسلامي في 26/8/1953).
  • ويؤكد على المبادئ السامية للأعياد الدينية (إننا أشدّ ما نكون حاجة المبادىء السامية والمثل العليا التي تقوم عليها أعيادنا، ونحن نجتاز معركة تحرير البلاد، فإن كنا قد احتفلنا بعيد الفطر المبارك عيد الصوم والصبر والجهاد فإننا نحتفل اليوم بعيد الطاعة والتضحية. هذا العيد الذي يحمل معنى التضحية بالمال والنفس والروح في سبيل الله) (خطاب بمناسبة  عيد الأضحى المبارك بتاريخ19/8/1953).
  • كما يحدد في كتاب فلسفة الثورة (1953) الدوائر الثلاث التي يرى أن مصر تنتمي إليها،وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها، فيراها أولا في الدائرة العربية وثانيا في الدائرة الأفريقية وثالثا في الدائرة الإسلامية، ولدى حديثه عن انتماء مصر للدائرة الإسلامية يربط بينه وبين الدور التحرري لمصر خلال المراحل التاريخية القديمة التي مر بها ذلك الانتماء، كما يتحدث عن الحج بوصفه قوه توحيد سياسيه بالاضافه إلى كونه فريضة دينيه(حين أسرح بخيالي إلى هذه المئات من الملايين الذين تجمعهم عقيدة واحدة، أخرج بإحساس كبير بالإمكانيات الهائلة التي يمكن أن يحققها تعاون بين هؤلاء المسلمين جميعاً، تعاون لا يخرج عن حدود ولائهم لأوطانهم الأصلية بالطبع، ولكنه يكفل لهم ولإخوانهم في العقيدة قوة غير محدودة)..
  • كما يرى عبد الناصر ان الإسلام هو الحل الاول والأخير لمشكله العلاقة بين الفرد والمجتمع ( … ومشكلة الفرد والجماعة التي حيرت المفكرين والفلاسفة في أوروبا منذ قرون ، وجدت الحل الصحيح في بلادنا العربية والإسلامية منذ ألف وثلاثمائة سنة ، منذ نزل القرآن على محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وسلم) يدعوا إلى الأخوة الإنسانية ، ويفصل مبادئ العدالة الاجتماعية على أساس من التراحم والتكافل الأخوي والإيثار على النفس في سبيل النفع العام للجماعة ، بغير طغيان على حرية الفرد ولا إذلال له ولا إنكار لذاتيته .. ” إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..” ذلك هو النظام.. فليكتف المفكرون والفلاسفة بما بذلوا من جهد، ولا يبحثوا منذ اليوم عن حلول أخرى لمشكلة الفرد والمجتمع.. عندنا الحل.. الحل هو الذي نزل به الوحي على نبينا منذ ألف وثلاثمائة سنة.. هو الحل الأخير لمشكلةالإنسانية ) (مقال بعنوان “الحل الأول هو الحل الأخير”، العدد 5 من سلسلة اخترنا لك “العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد”، أول يوليو 1954، طبع دار المعارف)

ب/المستوى التطبيقي:كما اتخذت التجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين على المستوى التطبيقي تمثل في الكثير من المظاهر أهمها:

  • زيادة عدد المساجد فى مصر من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ، ( عشرة ألاف مسجد )، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت فى مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر.
  • جعل مادة التربية الدينية مادة إجبارية يتوقف عليها النجاح أو الرسوب كباقي المواد لأول مرة في تاريخ مصر.
  •  أنشأ مدينة البعوث الإسلامية التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا.
  • أنشأ منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية .
  • ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم .
  •  إنشاء إذاعة القرآن الكريم.
  • تسجيل القرآن كاملا على أسطوانات وشرائط للمرة الأولى فى التاريخ وتم توزيع القرآن مسجلا في كل أنحاء العالم .
  •  تنظيم مسابقات تحفيظ القرآن الكريم على مستوى الجمهورية ، والعالم العربي ، والعالم الاسلامى.
  •  وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي والتي ضمت كل علوم وفقه الدين الحنيف في عشرات المجلدات وتم توزيعها في العالم كله.
  • بناء آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر ،و افتتاح فروع لجامعة الأزهر فى العديد من الدول الإسلامية،بالاضافه إلى بعثات الأزهر لنشر الإسلام فى أفريقيا وأسيا
  • مسانده الدول العربية والإسلامية فى كفاحها ضد الاستعمار.
  • إصدار قانون تحريم القمار ومنعه .و إلغاء تراخيص العمل الممنوحة للنسوة العاملات بالدعارة ، وأصدر قرارات بإغلاق كل المحافل الماسونية ونوادي الروتارى والمحافل البهائية .

(الدين والدولة والثورة : رفعت سيد أحمد، النبي والفرعون : جيل كيبل،المؤامرة ومعركة المصير : سعد جمعة،تقرير مجلس الكنائس العالمي لعام 1974،تقرير الحالة الدينية فى مصر عام1982 ، الإسلام فى عهد جمال عبد الناصر : عمرو صابح)

المستوى الدستوري:  والعلمانية تتناقض أيضا مع تقرير دساتير المرحلة الناصرية ان الإسلام هو دين الدوله يقول المستشار طارق البشرى(أن هذا الحكم الدستوري (أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها في دستور ‏1923‏ ) ظل مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدى القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم، دستور‏1930 … ودستور‏1956‏ في عهد ثورة ‏23‏ يوليو ‏1952، ودستور ‏1964‏، ودستور‏1971.‏ ولم يشذ من ذلك إلا دستور ‏1958‏ في عهد وحدة مصر مع سوريا؛ لأنه لم يكن دستورا مكتملا… وقد زال بانفصال سوريا في‏1961…‏ وسنلاحظ تاريخيًّا أن النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع ‏.‏… كما يرى طارق البشرى ان السادات عندما عرف الشريعة بوصفها مصدر رئيسي للتشريع 1971 او المصدر الرئيسي للتشريع ‏1981‏ قد (سار على نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونص على مصدرية الشريعة الإسلامية، وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا؛ لأن دين الدولة الإسلام، لأن الدين هو المرجعية أوالمصدرية).

 الخلاف:  ولا ينفى ما سبق ذكره، من تناقض العلمانية مع التجربة الناصرية ، الصراع الذى حدث بين جماعه الأخوان المسلمين وجمال عبد الناصر ، لان هذا الصراع لم يكن صراع ديني بل صراع سياسي، وقد اقر بعض الإخوان المسلمين والإسلاميين بهذه الحقيقة ، يقول د.عبدالمنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين سابقا فى الحلقة الأولى من مذكراته «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» التي تنفردالشروق» بنشرها (ورغم أن نظرتي تغيرت تماما عن جمال عبد الناصر فلم تصل يوما إلى تكفيره، فقد كنت أرى أنه من الصعب أن نقول إن جمال عبد الناصر كان ضد الإسلام أو عدوا له كما كتب البعض، ومازلت أرى أن الصراع بينه وبين الإخوان كان صراعا سياسيا في الأساس بدليل أنه استعان بالعديد من رجالهم في بداية الثورة كوزراء مثل الشيخ الباقورى والدكتور عبد العزيز كامل)، ويقول حسن دوح ( أن تصوير خلافنا مع عبد الناصر على انه جهاد بين جماعه مسلمين وجماعه كافرين تصوير خاطئ، والأولى أن تقول انه كان خليطا لعب الجانب العقيد فيه دورا تمثله جماعه الأخوان المسلمين والجانب الحزبي دورا أخر، ولم يخل من الجانب الشخصي)( الإرهاب المرفوض والإرهاب المفروض، بدون تاريخ، دار الاعتصام، القاهرة، ص 39). ويقول ناجح إبراهيم (أصل الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر هو اعتقاد كل منهما أنه الأجدر والأحق بالسلطة والحكم في مصر.. فعبد الناصر ومن معه كانوا يرون أنهم الأجدر بالسلطة والحكم باعتبار أن الثورة ثورتهم وأنهم الذين تعبوا وغامروا بحياتهم فيها وأن الإنجليز لن يسمحوا للإخوان بحكم مصر. أما الإخوان فكانوا يرون أنهم أصحاب فكرة الثورة من الأصل وأن عبد الناصر وعامر وغيرهما كانوا من الإخوان المسلمين الذين بايعوا على المصحف والسيف.. وأن هؤلاء الضباط صغار لا يصلحون للحكم.. وأن الإخوان هي القوة الرئيسية التي وقفت مع الثورة وهم الأجدر بالحكم والسلطة. ولذلك نشأ الخلاف بينهما وازداد وتوسع.. ولم يكن الخلاف أساسا على الدين أو الإسلام أو حرية الدعوة.ولكنه انحصر أساسا في ظن كل فريق منهما أنه الأجدر بالحكم ..وظل يتطور هذا الخلاف حتى وصل إلى مرحلة التصفية الجسدية متمثلة في حادثة المنشية سنة1954 والتي قابلها عبد الناصر بكل قوة وقسوة واعدم ستة من قادة الإخوان والنظام الخاص.)( جمال عبد الناصر فى فكر داعية).

رفض الثيوقراطيه :غير ان تناقض العلمانية مع التجربة الناصرية، لا يعنى ان الناصرية -تجربه وفكرا – تقبل بالثيوقراطيه ، والتي تقوم على الخلط بين الدين والدولة،وجعل العلاقة بينهم علاقة تطابق، وهو ما يلزم منه انفراد فرد او فئة بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لانفراد هذا الفرد او الفئة بالسلطة الروحية ( الدينية ) دونه . فالثيوقراطيه توْدى إلى  تحويل المطلق عن قيود الزمان والمكان (الدين) إلى محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما(الدولة أو السلطة) أو العكس ، اى تحويل ما هو محدود بالزمان والمكان نسبى فيهما (الدولة) إلى مطلق ، اى إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على البشر واجتهاداتهم المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما، و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع الذي جعله حقا لله  ، والاجتهاد الذي جعله حقا للناس كما أن هذا الحل مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة  اى الكهنوتية أو رجال الدين قال تعالى   (  واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) الأكثر ون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، فهذه السلطة (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله  بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾.

الحل الثالث: و الحل الذى يعبر عن الناصرية -تجربه وفكرا -هو الحل الذى يتجاوز كل من العلمانية والثيوقراطيه إلى حل ثالث للعلاقة بين الدين والدولة، يقوم على اعتبار أن علاقة الدين بالدولة هي: علاقة وحدة (وليس علاقة خلط كما فى الثيوقراطيه )، اى يقوم على دينيه التشريع وليس السلطة كما فى الثيوقراطيه. وعلاقة تمييز (وليس علاقة فصل كما فى العلمانية)، اى مدنيه السلطة وليس التشريع كما في العلمانية. فهي علاقة وحده (وليس خلط)- دينيه التشريع – لان السلطة في الإسلام  مقيده بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا ، وبالتالي لا يباح تجاوزها، والتي تسمى باصطلاح القران الحدود، إذ هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها. ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ ﴾ ( البقرة: 229)  : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ .(البقرة187). كما أنها علاقة تمييز( وليس فصل)- مدنيه السلطة- لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم  التوحيد ، والقواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ، والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف .

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق

تفتت الولايات المتحدة الأمريكية ووحدة الأمة العربية

تفتت الولايات المتحدة الأمريكية ووحدة الأمة العربية

المشكلة الشاملة في العالم هي التناقض بين نزوع الشعوب الى الحرية و بين دول كأمريكا و نظم  كالرأسمالية، و سيطرة حضارية أروبية و احتكام في نهاية المطاف الى القوة [ الغرب كافة].

 فكيف تحل؟

 بأن تسترد الشعوب حريتها بازالة نقيضها و لو بالتدرج، أعني ألا تتراجع الشعوب عن هدف الحرية و لا تتوقف و لا تساوم و لا تسالم مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للحرية ضد الاستبداد “بحكم ” جدل الانسان” . في هذا الاطار العالمي تعيش أمتنا العربية على وطنها و تتعرض لمثل ما تتعرض له شعوب الأرض و لكنها تعاني من مشكلة “عربية”. التناقض بين نزوع الشعب العربي الى الحرية، مثل كل الشعوب، و بين حرمان الشعب العربي من أن يسترد حريته بفعل التجزئة الاقليمية التي تمثلها           و تحرسها الدول الاقليمية، فتصبح المشكلة الأولية التي يجب أن تحل كمقدمة لمساهمة الشعب العربي بما يستطيع في حل مشكلة الحرية على المستوى العالمي هي الغاء التجزئة و اقامة دولة الوحدة، و لو بالتدرج. أعني ألا يتراجع عن هدف الوحدة و لا يتوقف و لايساوم و لا يسالم مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للوحدة ضد التجزئة، بحكم “جدل الانسان”. […]

   تأتي المشكلة الأصل، أم المشاكل التي تعوق و تعطل حل كل المشكلات الأخرى، ان الأمة العربية لا تملك أداة حل أية مشكلة أخرى، لا مشكلة التجزئة و لا مشكلة السيطرة العالمية، لأن القوميين، المرشحين بمواقفهم القومية، لقيادة الشعب العربي الى التحرر من الاقليمية ثم التحرر من السيطرة الأجنبية، ما يزالون أفرادا أو شللا صغيرة، و لم يتوحدوا في تنظيم مقاتل، مناضل، قائد، قدوة، في حين أن وحدة المشكلات تفرض وحدة أداة حلها، بحكم ” جدل الانسان” في فاعليته الاجتماعية. فيبدو كل شيء حتى الناس راكدين منقادين لأن القوميين فاشلون في أن يستفيدوا من “جدل الانسان”. الذي يقولون أنهم يؤمنون به. […] المشكلة الأولى و الأولية، وهي أن القوميين يفتقدون التنظيم، الجهاز، الذي يجمعهم ديمقراطيا، لتلقى عليهم كل تلك الأسئلة و غيرها، فيتداولون في حلولها الصحيحة،       و يضعون للتصدي لها خططا ممتدة، و يقسمون العمل فيما بينهم، و ينجزون ما يستطيعون، و يصمدون، لا يتوقفون و لا يساومون و لا يسالمون مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للقومية بحكم “جدل الانسان” أيضا.

    ان كنت في شك من هذا فانظر حولك.

  شل الذراع الأيسر لقهر الانسان، في الاتحاد السوفياتي،  الذي توقعنا انهياره كمجتمع اشتراكي في عام 1965  صفحة 132 من كتاب أسس الاشتراكية العربية] و حذرنا الماركسيين من أن منهجهم الخاطئ، “المادية الجدلية”/ سيؤدي بالتجربة الاشتراكية بالرغم من كل الجهود التي تبذل في بنائها، لأن ذلك المنهج ينكر على الانسان قيادة حركة التطور الاجتماعي و يستبدل به عناصر الحياة المادية. هاهو ينهار بمجرد أن يقدم الغرب الى الانسان السوفييتي “جزرة” الحرية الليبرالية، فيتخذ الانسان السوفييتي من الجزرة المزوقة مدخلا الى حريته المفتقدة، حرية الانتماء القومي،  فيلوذ كل قوم بعضهم ببعض. و يكتشفون، و بقوة الانتماء القومي أنهم، بالرغم من أكثر من قرن من الحياة على الأرض السوفييتية المفتوحة للأنتقال و العمل، ما يزالون مقيمين على أرضهم القومية، فلايحتاج أي قوم الى اعادة تخطيط الحدود، بل يعلنون استقلالهم بما يقيمون عليه، فاذا هم في وطنهم التاريخي قبل أن يغزوه قياصرة الروس. لماذا لم يذوبوا؟ لأن الانتماء القومي رباط اجتماعي أقوى من أي رباط آخر. ثم في جلسة هادئة أتيح فيها للتشيك و السلوفاك تطبيع وجودهم و علاقتهم فتستقل دولة التشيك عن دولة السلاف كل في حدود وطنها القومي التاريخي. ثم تعرض الجزرة على شعوب الدولة الملفقة يوغسلافيا فاذا كل قومية هناك تتشبث بوطنها القومي و يسفح بعضهم دماء بعض هجوما  أو دفاعا عن قرى بناها أجدادهم يوم أن كانوا متميزين قوميا كما هم الآن. ثم بدون قتال تتوحد الأمة الألمانية بعد نحو نصف قرن من التجزئة. و قبلها انتصرت فيتنام فتوحدت قوميا. و قبلها استقلت باكستان عن الهند على أسس دينية، فأصبحت باكستان دولة اسلامية كما يقولون، ذات دستور اسلامي كما يزعمون. و لكنها لم تلبث ان انشقت الى دولتين على أسس قومية، دولة البنغال الاسلامية شرقا، و دولة البنجاب الاسلامية أيضا غربا… و هكذا أولى الحريات التي تفرض ذاتها بعد التحرر هي حرية الانتماء. الانتماء القومي أو حتى الانتماء القبلي و هو ماوراء الصراع الدامي الذي تتخبط فيه الشعوب و القبائل الافريقية. فمنذ الستينات اجتمعت مجموعة من أغبياء القارة و اتخذوا قرار بقطع الطريق على الانتماء بأن قرروا الابقاء على الحدود ” الدولية” [حدود الدول] التي أقامها الاستعمار الأروبي. فاستقلت القبائل مجزأة في كل دولة، فلبت كل القبائل في كل دولة نداء الانتماء الى مجتمعها الموزع تعسفا بين الدول، و بدا الصراع و لم يزل. و ما حالة الصومال الا مثلا لمأساة حرمان الناس من الحياة مع من ينتمون اليهم. فقد هزمت الدول الأروبية محاولة حكومة الصومال اعادة الاتصال و الوحدة مع الصوماليين في أوجادين و ثبتت التجزئة، فهاجر ملايين من أوجادين الى حيث ينتمون،  شعب الصومال. فعادوا جميعا الى الصراع القبلي بالرغم من القول بأنهم شعب لأن الصومال دولة و قد قال الفقهاء أن لكل دولة شعبا… ثم نأتي الى أكبر دولة باغية و ملفقة. الولايات المتحدة الآمريكية. انها ليست دولة قومية، و لا دولة شعوبية، و لا دولة قبلية، انها دولة متعددة الاثنيات. فكل نفر من سكانها ينتمي الى أمة أو شعب خارجها. و قد قامت على أساس أن يتولى الأنجلو سكسون البروتستانت البيض صهر بقية القوميات فيهم لغة  و حضارة و مصيرا. و لكن المشروع فشل فشلا ذريعا، باعتراف كل كتاب علم الاجتماع في الولايات المتحدة ، عام 1968،           و اضطرت الدولة الفيدرالية الى رد حق كل جماعة اثنية في أن تتكلم لغتها القومية، و تستعملها في مدارسها، و في كنائسها، و أن تكون لها صحفها، و أعيادها، و مجتمعاتها، و أزيائها و كانت ثورة أسميت “الزهرة الطفلة”. و قد بقيت الولايات المتحدة الأمريكية في حماية الاتحاد السوفياتي اذ هما حليفان موضوعيا ضد التحرر القومي، فلما شل الذراع الأيسر ضعف الذراع الأيمن و اندلع العنف بين القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية يقوده السود و البيض ولأبناء الشوارع و أباطرة الجريمة المنظمة. الولايات المتحدة تترنح, ثم تتردد في الدخول طرفا في الصراعات القومية. فهي مع الوحدة الأروبية و ضد الوحدة الأروبية. و هي مع الصرب و ضد الصرب. و هي مع الصومال و ضد الصومال. انها تتخبط، لأنها غريبة حضاريا عن رابطة الانتماء القومي أو الشعبي أو حتى القبلي. انها لا تفهمها. ثم انها على الطريق الى الغباية الحتمية.

 لن أكون أنا موجودا بحكم العمري الذي يجري سريعا. ستكون أنت في أوج نضجك، فاشهد بأني قلت لك: أولا: أن القرن الواحد   والعشرين سيكون قرن القوميات. و لن ينتهي الا و كل الدول قومية بشرا ووطنا.

 ثانيا:أنه قبل نهاية الربع الأول من القرن  الواحد و العشرين، ستكون الولايات المتحدة قد تمزقت كدولة الى عدد من دول كل منها قومية، و قد يجمع بينها اتحاد كونفدرالي. و ستكون قد توحدت ايرلندا،         و سيكون قد استقل الباسك. و ستكون قد توحدت الأمة العربية بعد صراع دام مريرا عربي ـ عربي، اذا ما استطاع القوميون أن يتوحدوا في تنظيم قومي واحد يفكر و يدبر و يخطط و يحشد و يقود الشعب العربي الى دولته القومية و لو كره الاقليميون.

 اني على يقين من كل هذا.

 لماذا؟

 لأنني أومن بجدل الانسان، و هو منهج الفطرة. ومن قبل كان القائد العظيم على يقين من هذا أيضا يوم أن دعا المستعمرات الفرنسية الى الاستقلال ان اختارته. فاختارته.

 عصمت سيف الدولة

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق