تفتت الولايات المتحدة الأمريكية ووحدة الأمة العربية

تفتت الولايات المتحدة الأمريكية ووحدة الأمة العربية

المشكلة الشاملة في العالم هي التناقض بين نزوع الشعوب الى الحرية و بين دول كأمريكا و نظم  كالرأسمالية، و سيطرة حضارية أروبية و احتكام في نهاية المطاف الى القوة [ الغرب كافة].

 فكيف تحل؟

 بأن تسترد الشعوب حريتها بازالة نقيضها و لو بالتدرج، أعني ألا تتراجع الشعوب عن هدف الحرية و لا تتوقف و لا تساوم و لا تسالم مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للحرية ضد الاستبداد “بحكم ” جدل الانسان” . في هذا الاطار العالمي تعيش أمتنا العربية على وطنها و تتعرض لمثل ما تتعرض له شعوب الأرض و لكنها تعاني من مشكلة “عربية”. التناقض بين نزوع الشعب العربي الى الحرية، مثل كل الشعوب، و بين حرمان الشعب العربي من أن يسترد حريته بفعل التجزئة الاقليمية التي تمثلها           و تحرسها الدول الاقليمية، فتصبح المشكلة الأولية التي يجب أن تحل كمقدمة لمساهمة الشعب العربي بما يستطيع في حل مشكلة الحرية على المستوى العالمي هي الغاء التجزئة و اقامة دولة الوحدة، و لو بالتدرج. أعني ألا يتراجع عن هدف الوحدة و لا يتوقف و لايساوم و لا يسالم مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للوحدة ضد التجزئة، بحكم “جدل الانسان”. […]

   تأتي المشكلة الأصل، أم المشاكل التي تعوق و تعطل حل كل المشكلات الأخرى، ان الأمة العربية لا تملك أداة حل أية مشكلة أخرى، لا مشكلة التجزئة و لا مشكلة السيطرة العالمية، لأن القوميين، المرشحين بمواقفهم القومية، لقيادة الشعب العربي الى التحرر من الاقليمية ثم التحرر من السيطرة الأجنبية، ما يزالون أفرادا أو شللا صغيرة، و لم يتوحدوا في تنظيم مقاتل، مناضل، قائد، قدوة، في حين أن وحدة المشكلات تفرض وحدة أداة حلها، بحكم ” جدل الانسان” في فاعليته الاجتماعية. فيبدو كل شيء حتى الناس راكدين منقادين لأن القوميين فاشلون في أن يستفيدوا من “جدل الانسان”. الذي يقولون أنهم يؤمنون به. […] المشكلة الأولى و الأولية، وهي أن القوميين يفتقدون التنظيم، الجهاز، الذي يجمعهم ديمقراطيا، لتلقى عليهم كل تلك الأسئلة و غيرها، فيتداولون في حلولها الصحيحة،       و يضعون للتصدي لها خططا ممتدة، و يقسمون العمل فيما بينهم، و ينجزون ما يستطيعون، و يصمدون، لا يتوقفون و لا يساومون و لا يسالمون مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للقومية بحكم “جدل الانسان” أيضا.

    ان كنت في شك من هذا فانظر حولك.

  شل الذراع الأيسر لقهر الانسان، في الاتحاد السوفياتي،  الذي توقعنا انهياره كمجتمع اشتراكي في عام 1965  صفحة 132 من كتاب أسس الاشتراكية العربية] و حذرنا الماركسيين من أن منهجهم الخاطئ، “المادية الجدلية”/ سيؤدي بالتجربة الاشتراكية بالرغم من كل الجهود التي تبذل في بنائها، لأن ذلك المنهج ينكر على الانسان قيادة حركة التطور الاجتماعي و يستبدل به عناصر الحياة المادية. هاهو ينهار بمجرد أن يقدم الغرب الى الانسان السوفييتي “جزرة” الحرية الليبرالية، فيتخذ الانسان السوفييتي من الجزرة المزوقة مدخلا الى حريته المفتقدة، حرية الانتماء القومي،  فيلوذ كل قوم بعضهم ببعض. و يكتشفون، و بقوة الانتماء القومي أنهم، بالرغم من أكثر من قرن من الحياة على الأرض السوفييتية المفتوحة للأنتقال و العمل، ما يزالون مقيمين على أرضهم القومية، فلايحتاج أي قوم الى اعادة تخطيط الحدود، بل يعلنون استقلالهم بما يقيمون عليه، فاذا هم في وطنهم التاريخي قبل أن يغزوه قياصرة الروس. لماذا لم يذوبوا؟ لأن الانتماء القومي رباط اجتماعي أقوى من أي رباط آخر. ثم في جلسة هادئة أتيح فيها للتشيك و السلوفاك تطبيع وجودهم و علاقتهم فتستقل دولة التشيك عن دولة السلاف كل في حدود وطنها القومي التاريخي. ثم تعرض الجزرة على شعوب الدولة الملفقة يوغسلافيا فاذا كل قومية هناك تتشبث بوطنها القومي و يسفح بعضهم دماء بعض هجوما  أو دفاعا عن قرى بناها أجدادهم يوم أن كانوا متميزين قوميا كما هم الآن. ثم بدون قتال تتوحد الأمة الألمانية بعد نحو نصف قرن من التجزئة. و قبلها انتصرت فيتنام فتوحدت قوميا. و قبلها استقلت باكستان عن الهند على أسس دينية، فأصبحت باكستان دولة اسلامية كما يقولون، ذات دستور اسلامي كما يزعمون. و لكنها لم تلبث ان انشقت الى دولتين على أسس قومية، دولة البنغال الاسلامية شرقا، و دولة البنجاب الاسلامية أيضا غربا… و هكذا أولى الحريات التي تفرض ذاتها بعد التحرر هي حرية الانتماء. الانتماء القومي أو حتى الانتماء القبلي و هو ماوراء الصراع الدامي الذي تتخبط فيه الشعوب و القبائل الافريقية. فمنذ الستينات اجتمعت مجموعة من أغبياء القارة و اتخذوا قرار بقطع الطريق على الانتماء بأن قرروا الابقاء على الحدود ” الدولية” [حدود الدول] التي أقامها الاستعمار الأروبي. فاستقلت القبائل مجزأة في كل دولة، فلبت كل القبائل في كل دولة نداء الانتماء الى مجتمعها الموزع تعسفا بين الدول، و بدا الصراع و لم يزل. و ما حالة الصومال الا مثلا لمأساة حرمان الناس من الحياة مع من ينتمون اليهم. فقد هزمت الدول الأروبية محاولة حكومة الصومال اعادة الاتصال و الوحدة مع الصوماليين في أوجادين و ثبتت التجزئة، فهاجر ملايين من أوجادين الى حيث ينتمون،  شعب الصومال. فعادوا جميعا الى الصراع القبلي بالرغم من القول بأنهم شعب لأن الصومال دولة و قد قال الفقهاء أن لكل دولة شعبا… ثم نأتي الى أكبر دولة باغية و ملفقة. الولايات المتحدة الآمريكية. انها ليست دولة قومية، و لا دولة شعوبية، و لا دولة قبلية، انها دولة متعددة الاثنيات. فكل نفر من سكانها ينتمي الى أمة أو شعب خارجها. و قد قامت على أساس أن يتولى الأنجلو سكسون البروتستانت البيض صهر بقية القوميات فيهم لغة  و حضارة و مصيرا. و لكن المشروع فشل فشلا ذريعا، باعتراف كل كتاب علم الاجتماع في الولايات المتحدة ، عام 1968،           و اضطرت الدولة الفيدرالية الى رد حق كل جماعة اثنية في أن تتكلم لغتها القومية، و تستعملها في مدارسها، و في كنائسها، و أن تكون لها صحفها، و أعيادها، و مجتمعاتها، و أزيائها و كانت ثورة أسميت “الزهرة الطفلة”. و قد بقيت الولايات المتحدة الأمريكية في حماية الاتحاد السوفياتي اذ هما حليفان موضوعيا ضد التحرر القومي، فلما شل الذراع الأيسر ضعف الذراع الأيمن و اندلع العنف بين القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية يقوده السود و البيض ولأبناء الشوارع و أباطرة الجريمة المنظمة. الولايات المتحدة تترنح, ثم تتردد في الدخول طرفا في الصراعات القومية. فهي مع الوحدة الأروبية و ضد الوحدة الأروبية. و هي مع الصرب و ضد الصرب. و هي مع الصومال و ضد الصومال. انها تتخبط، لأنها غريبة حضاريا عن رابطة الانتماء القومي أو الشعبي أو حتى القبلي. انها لا تفهمها. ثم انها على الطريق الى الغباية الحتمية.

 لن أكون أنا موجودا بحكم العمري الذي يجري سريعا. ستكون أنت في أوج نضجك، فاشهد بأني قلت لك: أولا: أن القرن الواحد   والعشرين سيكون قرن القوميات. و لن ينتهي الا و كل الدول قومية بشرا ووطنا.

 ثانيا:أنه قبل نهاية الربع الأول من القرن  الواحد و العشرين، ستكون الولايات المتحدة قد تمزقت كدولة الى عدد من دول كل منها قومية، و قد يجمع بينها اتحاد كونفدرالي. و ستكون قد توحدت ايرلندا،         و سيكون قد استقل الباسك. و ستكون قد توحدت الأمة العربية بعد صراع دام مريرا عربي ـ عربي، اذا ما استطاع القوميون أن يتوحدوا في تنظيم قومي واحد يفكر و يدبر و يخطط و يحشد و يقود الشعب العربي الى دولته القومية و لو كره الاقليميون.

 اني على يقين من كل هذا.

 لماذا؟

 لأنني أومن بجدل الانسان، و هو منهج الفطرة. ومن قبل كان القائد العظيم على يقين من هذا أيضا يوم أن دعا المستعمرات الفرنسية الى الاستقلال ان اختارته. فاختارته.

 عصمت سيف الدولة

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s